رحلة في أحبال الرِّواية وصنوف الإرواء

قبل أن تُقعّد أوروبا الرِّواية وتكسوها بنظريات السرد، كانت العرب تروي. تروي الماءَ في القرب الجلدية حتى تنتفخ كبطون الحوامل، وتروي الشعرَ في المجالس حتى ترتوي القلوب من عذوبة الكلام، وتروي الأخبارَ في مضارب القبائل حتى تتروى النفوس قبل أن تبت في أمرها. وكانوا يروون الحبالَ، يفتلونها بأيديهم فتلًا محكمًا، وشدًا متقنًا، فلا تنفرط خيوطها ولا تنحلّ عقدها. ثم جاءت الرِّواية، هذا الوليد المتأخر، فارتوت منا كما يرتوي النهر من ينابيعه، وروتنا كما يروي المطر الأرض القاحلة، وحبكت خيوطنا المتناثرة كما يُحبك الحبل من أليافه المبعثرة.

في البدء، كانت الرَّاويةُ الجملَ الذي يحمل الماء في القرب المنتفخة، يروي العطاش في مضارب الصحراء. ثم صارت الرَّاويةُ الإنسانَ الحامل لفنون الكلام، الشعر والحديث والخبر، في ذاكرته يروي العطاش للكلام الطيب، والإيقاع العذب، والخبر المدهش. ثم انقلبت إلى الرِّواية، وتحول الحمل من ماء إلى معنى، من القربة الجلدية إلى الكلمات المبثوثة في الورق، من السّقّاء إلى السّارد، من الحامل إلى المحمول، من الرِّواء الذي يُشد به الرحل إلى الحبكة التي تُشد بها الأحداث.

قبل أن تكون الرِّواية كتابًا يُقرأ في عزلة الغرف كانت جَملًا يهدر في البرّية، رَّاويةً ضخمًا يقطع الرمل بخطوات ثابتة محملًا بسر الحياة. وكان الرِّواء، ذلك الحبل الغليظ، يشد الرحل على ظهره فلا يميل ولا يسقط. واليوم، جاءت الرِّواية لتفعل الأمر نفسه: الإرواء والشدّ معًا. فكما أن الماء يروي العطش الجسدي، كذلك الرِّواية تروي العطش الروحي. وكما أن الرِّواء يشد الحمل على الظهر، كذلك الحبكة تشد الأحداث على عمود السرد فلا تتناثر ولا تتبعثر. وكما أن الرَّاوية الجمل كان يرتوي أولًا ليتمكن من حمل الماء للآخرين، كذلك الرَّاوي البشري، الرِّوائي، يرتوي من التجارب والمعارف ليتمكن من إرواء الآخرين بالحكايات. وكذلك الحبل يُروى أولًا -أي يُفتل ويُحكم- ليتمكن من شدّ الأحمال وحملها. وكذلك هي الرِّواية، النص، ترتوي من اللغة والخيال، وتُروى -أي تُحبك وتُفتل- لتتمكن من إرواء القارئ بالمتعة والمعرفة، ومن شدّ انتباهه من أول سطر إلى آخر نقطة.

ولذا، فالرِّواية هي وسيلة ريّ تسقي العقل بالخيال كما تسقى الأرض بالمطر، وتبلّ عروق الروح بالقصص كما تبلّ عروق الشجرة بالماء. وهي أيضًا حبل متين يُفتل من خيوط اللغة المتشابكة، يشد الأحداث المتباعدة فيجمعها في بنية واحدة محكمة. إنها أداة ارتواء معرفي، ووسيلة ترويض فعالة للزمن المتمرد؛ تقبض عليه كما يُقبض على الماء في القربة، وكما يُقبض على الخيوط في الحبل، وتعيد سرده كما يعاد توزيع الماء على العطاش، تعطره بالأسلوب، توشحه بالتشويق، تفتله بالحبكة، ثم تسكبه في قارورة شفافة اسمها النص الرِّوائي.

وقد تكون الرِّواية مرويةً عن راوٍ عليم بكل شيء، تنقل عنه كما تُنقل الأخبار عن الثقات من الرجال. وقد تأتي بروايات متعددة للحدث الواحد، كأن يقال: “في هذا الحديث روايتان”، فتُروى القصة من زاوية ثم من أخرى، من فم ثم من فم، فتتعدد الروايات وإن كان المروي واحدًا. وقد تكون روايةً لنفسها، تسرد ذاتها بذاتها دون وسيط، كما لو أن اللغة ارتوت من اللغة حتى فاضت، وكما لو أن الحبل فتل نفسه بنفسه حتى صار قويًا متماسكًا، وتحولت من ناقة مطيعة إلى خالق متمرد، من سائقة للماء إلى سائحة في سديم المعنى، من حاملة للحكاية إلى صانعة للحقيقة.

وهكذا هو كل كاتب، رَاوية كما الجمل الرَّاوية: يرتوي من الحياة والكتب والأحلام، ثم يروي الآخرين مما ارتوى. وهو أيضًا حَبّال ماهر: يجمع خيوط التجارب المتفرقة، يفتلها بمهارة، يرويها حبكًا محكمًا، حتى تصير حبلًا واحدًا متينًا اسمه الرِّواية. وكل قارئ هو عطشان يبحث عن رَّاوية تروي ظمأه، ومسافر يبحث عن حبل يشد به رحله المتزعزع في رحلة القراءة الطويلة. وكل نص هو قربة مليئة تنتظر من يروي منها، ومن تروي له، وحبل مفتول ينتظر من يشد به أحماله، ومن يُشد بحبكته.

والرِّواية كجنس أدبي لا تثبت على حال واحدة أبدًا. تتقلب مع تقلبات الزمن، وترتوي من مصادر مختلفة، وتُروى بطرق متنوعة، كما تتقلب الرمال في مهب السرد المتغير. مرة تسير على درب رواية الأحداث الواضحة فلا تحيد عما جرى ولا تهتم إلا بنقل دقائق الأخبار عما جرى، لمن جرى، ومتى جرى. كأنها تتوسل دقة الكاميرا وجفاف الرصد. تسقي القارئ بالوقائع كما تسقى الأرض بالمطر المباشر، وترتوي من الأحداث الكبرى كما ترتوي الأنهار من الثلوج الذائبة، وتُفتل خيوطها فتلًا بسيطًا كحبل رفيع ليس فيه التواء ولا تعقيد.

ومرة تنزاح إلى رواية الأصوات المتعددة فتروي القارئ لا بما حدث وحسب، بل بمن رواه، ومن أي زاوية، وبأي نبرة يروى، وبأية رواية من روايات الحدث الواحد تُروى الحكاية. وهنا يتعدد الرواة، وتتعدد الروايات، وتتشابك الخيوط كحبل مركب من حبال عديدة، كل حبل بلون مختلف وخيوط متمايزة.

ومرةً ترتوي من الداخل فتغدو رواية النفس والضمير، حيث كل جملة مرآة عاكسة، وكل فصل بئر عميقة، وكل بطل ظل يتراقص على الجدار، وكل حبكة عقدة نفسية تُشد وتُحل في آن. هذه تروى من أعماق الروح كما يروى الماء من بئر سحيق، وتُفتل من خيوط الوعي الخفية كحبل شفاف لا يُرى إلا بعد التأمل الطويل، وتروي القارئ من مائها الداخلي النقي، متروية طويلًا عند كل عاطفة، متأنية في فتل كل خيط من خيوط الإحساس.

إنها، الرِّواية، كائن متروٍ ومرتوٍ من كل الأجناس الأدبية، ومحبوك من كل الخيوط الفنية. تشرب من الشعر موسيقاه العذبة كما تشرب الأرض من المطر، وتفتل من إيقاعه خيطًا لامعًا في حبلها المركب. ومن المسرح تشرب حواراته المتوترة كما تشرب من نبع متدفق، وتحبك من مشاهده عُقدًا متتالية في سلسلتها الممتدة. ومن الفلسفة تشرب قلقها الوجودي كما تشرب من بئر عميق. ومن التاريخ تشرب شظاياه المضيئة كما تشرب من سيل عارم، وتروي من أحداثه روايات متعددة، كل رواية بزاوية مختلفة ونبرة متمايزة. وكل رِواية جديدة هي في الحقيقة رِواية عن روايات سابقة، تسرد ما سُرد من قبل، لكن على طريقتها الخاصة الفريدة، تُعيد فتل الخيوط القديمة بلمسة جديدة.

إن كل رِواية إنما تروي في الحقيقة رواية واحدة كبرى: رواية البحث عن المعنى في هذا الوجود المتقلب. كل حكاية ترويها هي في العمق محاولة لإرواء العطش الأزلي للفهم، ولفتل الخيوط المبعثرة في حبل واحد متماسك يُمسك بيده من يتيه في الصحراء. وكل شخصية تُسقيها بالحياة هي في الحقيقة وجه من وجوه الإنسان العطشان للحقيقة، الباحث عن خيط يشد به رحله المهتز في رحلة الوجود. وهكذا تصبح الرِّواية رَاوية حضارية كبرى تحمل ماء المعنى عبر صحراء الزمن، وحبلًا ممتدًا يشد الأجيال بعضها ببعض فلا ينقطع الخيط ولا ينفرط العقد.

تجتمع في فعل الرواية ثلاث حركات متداخلة:

أولًا، النقل الأمين من فم إلى فم، من عطشان إلى ظمآن، من ذاكرة مليئة إلى صفحة وعي متلهفة لتلقي الجديد. يشبه هذا النقلُ نقلَ الماء من النبع إلى القربة، ومن القربة إلى الفم، كما السقّاء يفعل: بحرص وأمانة وعلم بقيمة ما ينقل. وكما يُنقل الخبر من راوٍ ثقة إلى راوٍ آخر: “رواه فلان عن فلان”. فالرِّواية في جوهرها نقل وإرواء، حمل ونقل، سند وإسناد.

ثانيًا، السقي الشافي من خيال خصب إلى عقل قاحل ظمآن، من ألم شخصي إلى تعاطف جماعي، من سؤال مؤرق إلى احتمال مطمئن. هذا السقي يروي الحاجات الروحية كما يروي الماء الحاجات الجسدية. الرِّواية الحقيقية تسقي القلب والروح، الخيال والأحلام. وهي أيضًا تشد الرحل المتزعزع على ظهر القارئ كما يُشد بالرِّواء، ذلك الحبل الغليظ الذي لا ينقطع تحت ثقل الحمولة ولا يتمزق تحت وطأة المسافة.

ثالثًا، الفتل المحكم والحبك المتقن: تجميع الخيوط المبعثرة وفتلها في حبل واحد متين، كما يروي الحبّال الماهر الحبل من أليافه المتناثرة ويفتله. هذا الفتل هو ما يحول السرد البسيط إلى بنية معقدة، والحكاية الساذجة إلى عمل فني محكم. وهو التحول السحري من سرد بسيط إلى خلق معقد، من خبر عادي إلى أدب خالد، من قول يقال مرةً إلى قول إنما يقال ليعاد مئات المرات. هذا التحول هو ما يميز الرِّواية عن مجرد النقل والإخبار.

وهناك، على النقيض من كل ذلك، الرِّواية المروضة بعناية، التي تُكتب لترضي الذائقة السائدة، وتُروى لتروج للأفكار المقبولة. هذه الرِّواية لا تسقي الأرض ولا تروي الزرع. تُرضع القراء بلبن مخفف وترضعهم أحلامًا وردية لا تقلق نومهم. وحبكتها واهية كحبل مفكوك لا يصلح لشد رحل ولا لحمل متاع.

أما الرِّواية الصادقة، الأصيلة، فهي تلك التي تروى من الداخل العميق، التي تُكتب كما يتفجر نبع في الصخر الصلد، فجأة بلا إنذار ينطلق متدفقًا من الداخل. وهي التي تُفتل فتلًا محكمًا من خيوط الوجود الحقيقية، لا من أوهام الكتابة السهلة. وهي التي تروض الزمن المتمرد لا القارئ المطيع، تعيد تشكيل الماضي لتكشف عن المستقبل الممكن المختبئ في ظلاله الكثيفة، وتفتل من خيوط الزمن المتناثرة حبلًا واحدًا يمتد من الأمس إلى الغد دون انقطاع.

فهل الرِّواية في جوهرها ماء سائل يُشرب؟ أم نبع ثابت يُرتوى منه باستمرار؟ أم القربة الجلدية التي يحملها الجمل الرَّاوية بالماء على ظهره يروي الناس؟ أم هي الرِّواء، ذلك الحبل الغليظ الذي يشد القربة على الظهر؟ أم هي فعل الفتل ذاته الذي يحول الخيوط إلى حبل؟ أم هي الظمأ الذي لا يُرتوى من عطشه، والحمل الثقيل الذي لا يُشد مهما أحكمنا الحبل؟

ربما الرِّواية، في النهاية، ليست ما يُروى للآخرين، بل ما يرتوي منه الكاتب شخصيًا، وما يروي به، أي يفتل ويحبك، حياته المبعثرة. وربما كل راوٍ في الحقيقة مرتوٍ أولًا ومُحبِك لخيوطه الخاصة، وكل مرتوٍ راوٍ بطريقته، وكل مُحبِك فاتل لحبله الفريد. وربما الارتواء الحقيقي لا يحدث عند انتهاء الرواية، بل عندما نبدأ في إعادة روايتها بطريقتنا، عندما نروي ما ارتوينا منه، عندما نفتل من خيوطها خيوطنا نحن، عندما نصبح نحن أنفسنا رواة لما ارتوينا، وحبّالين لما انحبك فينا وبنا.

وهكذا، تغدو كل قراءة فعل ارتواء وفتل في آن، وكل حياةٍ رِوايةً طويلة نكتبها ونقرؤها ونحبكها في آن واحد، وتصير اللغة، بثرائها هذا، هي الرواية الكبرى التي تحمل ماء المعنى عبر الصحاري، وتفتل من خيوط الأجيال حبلًا ممتدًا عبر الزمن، تسقي كل جيل من ماء الجيل الذي سبق، وترتوي من كل جيل لتروي الجيل الذي يليه، وتشد كل جيل بحبل إلى الجيل الذي مضى، وتُفتل في كل جيل لتُشد بها الجيل القادم.

والآن، وقد وصلت إلى نهاية هذا التروّي في طبيعة الرواية، أجدني مرتويًا وعطشانًا في آن معا: مرتوٍ من متعة التلاعب باللغة وعطشان لمعرفة المزيد عن أسرارها. مرتوٍ من فرحة الاكتشاف، عطشان لاكتشافات جديدة. وأجد خيوطي قد انحبكت في نسيج واحد، ثم عادت فتناثرت تبحث عن فتل جديد. كأن الارتواء الحقيقي لا يطفئ العطش، بل يروضه، يحوله من عطش أعمى إلى ظمأ واع، من حاجة عابرة إلى شوق دائم. وكأن الحبكة الحقيقية لا توقف التناثر، بل تحوله من فوضى عمياء إلى نظام حيّ، من انفلات عابر إلى توتر خلاق، من خيوط ميتة إلى حبل ينبض بالحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top