الرواية التي نعثر عليها خلال كتابتنا لرواية أخرى

بدأتُ، خلال شهر يوليو 2019، كتابة رواية سميتها نادي البشمرگة. بعد فصل أول تجاوز الخمسة آلاف كلمة، وهو أطول ما كتبت من قبل في فصل واحد، وصلت إلى الفصل الثاني. بدأت كتابته من زاوية نظر شخصية ثانوية بأسلوب تيار الوعي. كتبت فقرتين وتوقفت أحدق في الشاشة. فكرة غريبة كانت تدور في رأسي. كنت قد أكملت قبل أسبوع من ذلك، أو أكثر قليلا، قراءة كل من رواية إبراهيم عبد المجيد، بيت الياسمين، ورواية روبرتو بولانيو، ليل تشيلي. كان عقلي الباطن ما زال يهضم الروايتين ويحلل طريقة كتابتهما. من تلك العمليات الكيميائية المعقدة جاءت الشرارة وومضت الفكرة بغتة. قررت أن الشخصية الثانوية التي بدأت بها الفصل الثاني هي الأنسب للتعبير عن ثيمات الرواية. تدفقت آنذاك، مع ذلك القرار، ودفعة واحدة، الرواية الجديدة وصار الفصل الأول السابق جزءا من رواية داخلية يصارع البطل الجديد لكتابتها خلال رحلته الليلية المشحونة بالهلوسات. هكذا جاءت رواية ليل طنجة، فتقدمت بها للمشاركة في جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة وكنت محظوظا لنيل روايتي الجائزة الأولى. ستصدر الرواية خلال سبتمبر القادم عن دار العين في القاهرة.

الأمر نفسه، تقريبا، حصل قبل ذلك مع روايتي أحجية إدمون عمران المالح، التي صدرت خلال أكتوبر الماضي عن دار هاشيت أنطوان، في بيروت.

الفكرة التي انطلقت منها لكتابة الرواية صارت لاحقا حكاية فرعية صغيرة في متن المتاهة التي يأخذنا إليها السارد.

أردت أن أكتب عن السفينة إيجوز التي كان يستخدمها الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، في عمليات الهجرة السرية لنقل المغاربة اليهود إلى جبل طارق، ومن هناك إلى إسرائيل. خلال رحلتها رقم 13، غرقت السفينة يوم 11 يناير 1961 وفي جوفها أربعة وأربعون مغربيا يهودي الديانة، نصفهم أطفال.

اخترت منذ البداية أن يكون السارد هو الموت (التناص هنا واضح مع سارقة الكتب)، وسمح ذلك لي بالذهاب في الاتجاه الخوارقي وظهرت شخصية الخالة ميمونة واحدةً من جماعة الورعين الستة والثلاثين (وهو مذهب صوفي في الديانة اليهودية)، ومن خلال أسفارها بين العوالم ظهرت شخصية عمران. هنا تحول كل شيء وسيطرت الشخصية الجديدة على كامل الرواية. صار عمران هو إدمون عمران المالح، وتقزم دور الخالة ميمونة وتحول غرق السفينة إلى مسار في رواية يكتبها إدمون عمران المالح ودفع الموت جانبا وأمسك هو بزمام سرد الرواية الجديدة. لقد أنقذت نفسي من محاكاة أطفال منتصف الليل، ومررت، خلال ذلك، من طريق يطل على مقبرة براغ.

إحدى الحكايات الفرعية في ليل طنجة، أو لنقل أحد تمظهرات الحبكة الخارجية في الرواية، هي حكاية الحالمين في ألف ليلة وليلة. هي حكاية عن رجل ثري يعيش في بغداد يتمكن منه الفقر حتى يلتهم كل ما يملك ويفقد كل ما كان لديه. همَّ بالاستجداء من الآخرين لولا أنه رأى في المنام رؤية تقول له أن يذهب إلى مصر وهناك سيجد كنزا. يذهب الى مصر ولا يجد مأوى غير المسجد فيقضي فيه ليلته. لسوء الحظ تعبر جماعة من اللصوص من المسجد لتسطو على البيت المجاور. تطاردهم الشرطة إلا أنها لا تقبض إلا على الرجل البغدادي وتحسبه أنه منهم. يأمر الوالي بجلده جلدات عدة. يبكي التاجر الحالم مصرا على براءته فيستفهم منه الوالي عن سبب مبيته في المسجد. يرد الحالم بأنه قدم لأنه حلم أن كنزا بانتظاره في مصر. يقول الحالم منكسر الرأس. لكن يبدو أن الكنز الذي وعدني به الحلم هو هذه السياط التي نلتها من عسس مصر. يضحك الوالي ويقول له. يا قليل العقل كيف تصدق ما تقوله الأحلام؟ لقد حلمت مثلك بكنز في بغداد في المحلة الفلانية والشارع الفلاني تحت سدرة في بيت فلان لكنني لست غبيا مثلك لأذهب حتى بغداد بحثا عن كنز وهمي. خذ هذه القروش وعد الى بغداد. يعود التاجر الفقير الى بغداد مغتبطا. لقد كانت المحلة التي سماها له الوالي من حلمه هي محلته والبيت بيته. ومن تحت السدرة التي وصفها الحالم في مصر يستخرج التاجر البغدادي الكنز الذي وعده به الحلم في بغداد وكان عليه أن يذهب حتى مصر ليعرف مكان الكنز الذي كان قابعا تحت رأسه.

وأنا أكتب تلك الحكاية كان حاضرا في ذهني بقوة عنوان كتاب عبد الفتاح كيليطو، في الأصل هي جملة من كتاب يوميات كافكا: من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا.

ما بين الفكرة الأولى، غرق السفينة إيجوز، إلى الصيغة النهائية التي صدرت بها أحجية إدمون عمران المالح بون شاسع. كيف حدث ذلك؟ صعب الجزم، إلا إنني خلال بحثي عن رواية إيجوز عثرت على رواية أخرى.

تحولت نادي البشمرگة إلى ليل طنجة وتحولت إيجوز إلى أحجية إدمون عمران المالح، وما يمكنني قوله هو: أجمل رواية هي التي نعثر عليها خلال كتابتنا لرواية أخرى.

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان

الكتابة بطبيعتها تحرير متواصل. تشكيل وإعادة تشكيل متواصلين. كل نص هو مسودة نص يسعى باستمرار نحو الكمال والاكتمال. الكتابة سيرورة بحث متواصل عن الأصل الذي فقدناه. عن الحقيقة الزئبقية المنفلتة من الأصابع. الحقيقة التي نتوهم أننا قبضنا عليها، غير أننا لا نجد في قبضتنا غير الفراغ.

حملتني الفقرة الأولى من رواية فادي توفيق، الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان، إلى الربط مباشرة مع رواية بول أوستر، كتاب الأوهام. بقي هذا التناص عالقا في ذهني متحكما في عملية تلقي هذا النص، رغم أن مسار النصين سرعان ما افترقا. أو ربما لم يفترقا تماما، فهاجس البداية من جديد عند شخصيات بول أوستر ظهر هو نفسه عند شخصية فادي توفيق، الساعية أكثر من مرة إلى "بداية جديدة بحق وحقيق".

هل كان هذا التناص مقصودا من فادي توفيق أم هو ربط عشوائي من جهتي؟ في كل الأحوال تلك هي طبيعة التلقي. لا يهم ما أراده الكاتب فسُلطة القارئ أكبر.

الرواية بطبيعتها جنس أدبي مرن جدا، قادر على التلون الحربائي والتطور باستمرار ليلتهم أجناسا مختلفة ويدمجها داخله ليُشكل نفسه بشكل جديد يتحدى كل التغييرات الزمنية. مع ذلك، تلك المرونة تبقى محكومة. محكومة بماذا (؟) لا أعرف تحديدا. ما أعرفه أن الشكل والموضوع عندي لا ينفصلان، ولا يفضل أحدهما عن الآخر. طريقة كتابة الرواية هي جزء من الرواية نفسها. ليس الشكل الفني مسألة جمالية وحسب، بل عنصرًا عضويًا ووظيفيًا يساهم في تشكيل الموضوع وتحديد معناه، أو بالأحرى معانيه المحتملة.

أعرف أنه ثمة قراء سيرون أن روايتي أحجية إدمون عمران المالح مغالية في التجريب وسيعتبرون، إذا ما تعذر عليهم الإمساك بالحبكة أو أن الحكاية لم تشبعهم، أن النص ليس رواية. يمكنهم ذلك حتما. أما أنا فلا أحكم على النص إذا ما كان رواية أم لا بناءً على كيف كُتبت الرواية. الأمر عندي، حتى الآن، أقرب إلى الحدس.

يمكن أن أقرأ نصا يوصف أنه رواية، كتب بطريقة كلاسيكية ذات سرد خطي، مع ذلك ودون الخوض في أي تفاصيل تقنية سأقول، بناء على حدس محض غير متحكم فيه، ذلك النص ليس رواية. في المقابل يمكن أن أقرأ نصا مغرقا في التجريب على المستوى الشكلي، لا يحقق شيئا مما اعتاد عليه القراء من أشكال الرواية، وسأقول، أيضا بناء على حدس صرف غير مخطط له، ذينك النص التجريبي رواية مكتملة الأركان.

أما حدسي خلال قراءتي لرواية فادي توفيق، إلى غاية الفصل العشرين، فقد كان: هذا النص ليس رواية. لا شك أن طريقة السرد، أو تقنيته لو شئنا الدقة، أعجبتني كثيرا. لكن طيلة الفصول التسعة عشر كنت أشعر بأنه ثمة شيء ما ناقص. شيء يجعلني لا أتلقى النص باعتباره نصا روائيا.

سأعود هنا إلى رواية كتاب الأوهام. لو أن بول أوستر اكتفى بمسار حكاية المخرج السينمائي فيكتور مان، قبل الاختفاء، لجاءت الرواية باردة ولصار صعبا تصنيفها رواية. ما أعطاها الحيوية والانتماء هو المسار السردي للراوي، حكاياته الفرعية ثم التقاء مصيره مع مصير المخرج المختفي. أما عند فادي توفيق بقي السرد محصورا في قصة المخرج كيفورك كساريان، وأما الراوي الذي ظهر صوته مرة واحدة بوضوح وهو يقرأ من الأرشيف الشخصي للمخرج المختفي، فقد بقي في الخفاء لا نعرف عنه شيئا.

ربما هذا النص، كما أعمال كيفورك، غير مكتمل. مسودة هو لعمل أعظم. أو لعلها رواية تطلب من القارئ أن ينظر إليها بمفهوم "الحرف الراديكالي للوظائف وخيانتها". إنها كما يقول كيفورك عن مشروع فيلم: "طلبت منه أن يفكر بالاحتمالات اللامتناهية التي يقترحها كل مشروع بحث فرعي على حدة لحظة تحريره من غايته الأصلية، والتوقف عن النظر إليه على أنه جزء من مشروع فيلم". هل علينا التوقف عن النظر إلى هذا النص على أنه مشروع رواية؟

لكن في الفصل العشرين، الفصل الختامي، اعتدلت في مجلسي وتغيرت نظرتي للرواية. نعم، صارت الآن رواية. إنه الحدس مرة أخرى، غير أنه جاء متأخرا هذه المرة، لاحقا للحظة التنوير وليس قبلها.

هذه الرواية بدأت في الأصل معرضا بنفس الاسم صاحب عرضا فنيا أدائيا حمل عنوان حكاية الرجل الذي سكن ظله، وعرض في بيروت سنة 2018. والعرض المتعدد الوسائط، كما الرواية، يدور حول فترة الحرب الأهلية في لبنان ومن بين ما تتعرض له الرواية، والعرض، حياة البداوة القسرية وحمى الترحال، ومصائر فنانين اضطروا للهجرة أو دفعتهم الحياة إلى أدوار أخرى غير التي أرادوها لأنفسهم.

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان

نعيمة البزاز (قصة قصيرة)

تتلألأ الأضواء وتنعكس على مياه النيل كما تنعكس على مقلتيك الدامعتين. متكئة كنت على إطار النافذة في ذلك الفندق الفخم، وسط القاهرة، الشاهد على فيض الحياة المتدفقة من جريان النيل. كنت تبكين بصمت. لم تتعودِ على هذا الضعف من قبل. كان عليك أن تصرخي، لكن الدهشة ألجمت فمك. ندمت على قبول الدعوة. لا فرق بين القاهرة وأمستردام. كل المدن سواء. جميعهم يعتبرون المرأة عورة. وجهها عورة، صوتها عورة، وحتى اسمها. اسمها عورة.

تشهقين مقاومة البكاء الصامت أن يتحول نواحا صاخبا. كم كنت فرحة يوم تلقيت الدعوة. معرض القاهرة للكتاب. ندوة صحفية للإعلان عن روايتك الأولى التي تُنقل إلى العربية. كانت سعادتك لا توصف أن تصدر قريبا إحدى رواياتك مترجمة إلى لغتك الأم. كم تمنيت لو تستطيعين الكتابة بالعربية. لكنك لا تعرفين إلا الهولندية، وقليلا من العامية المغربية.

جلست منتشية قبالة جمهور الصحفيين والكتاب الذين استدعاهم الناشر ليعلن عن توقيعه عقد ترجمة روايتك. ليعلن عن موهبة عربية أينعت في الأراضي المنخفضة. كنت سعيدة كما طفلة بأول دمية. انتظرت ناشرك أن يقدمك للصحفيين. بسمل وسعل. بسمل وحوقل. بدأ الناشر باسمك. "نعيمة أحمد،" قال. التفت إليه مندهشة. أحمد اسم أبيك، واسمك في المغرب كما في هولندا هو اسمك الشخصي وبعده لقب العائلة. البزاز. مرت لحظة الدهشة بسرعة وانتبهت. تذكرت مداعبة صديقة خليجية أخبرتك أن اسمك يعني في لهجتهم، ما تعنيه الكلمة المغربية "بزازل". أثداء. أردت أن ترفعي يدك وتخرسي الناشر. أردت الوقوف والصراخ في وجه الحضور، "نعيمة أحمد ليس اسمي. اسمي نعيمة البزاز. أعرف أن الكلمة في لهجتكم تعني الثدي. هذا لا يعنيني. إنه اسمي وأنا فخورة به." لكن خوفا مباغتا، لا تدرين من أين أتى، ألجمك. لم تستطيعِ الكلام. خرست تماما. اختنقت من الداخل.

الآن، من نافذة فندقك، تطلين على النيل وتحاولين منع دموعك من الانهمار. لم تكوني يوما مستسلمة. منذ وصولك رفقة أبيك إلى هولندا، وعمرك أربع سنوات، وأنت تقاومين بشراسة. ماذا حدث لك اليوم؟

طرقات على باب غرفتك. مشيت ببطء ونظرت من العين السحرية. إنه ناشرك. لعله جاء يعتذر. لاحظ أنك لم تكوني على سجيتك خلال الندوة الصحفية. سألك عن السبب ورفضت الإفصاح. جبن إضافي سكنك وأدهشك. لعله فهم الأمر وجاء يعتذر. نفضت الدمعتين من مقلتيك وعدلت هندامك. فتحت الباب وجاهدت لرسم البسمة على وجهك. ابتسم هو الآخر وتقدم داخلا دون دعوة، وهو يحمل كيسين.

"رأيتك متعبة،" قال ناشرك وهو يضع الكيسين على المنضدة الصغيرة. "كنت أفكر بدعوتك لعشاء للاحتفال بتوقيع العقد، لكن فكرت أن المجيء إلى هنا أفضل. لا أريد أن أتعبك."

لا تصدقين طبعا. إنك تشمين بسهولة رائحة أفكاره النتنة. اللعنة.

"أنا متفائل جدا بنجاح روايتك عند القارئ العربي. ستكون بداية جيدة وسنعمل على ترجمة رواياتك الأخرى، واحدة كل سنة."

ترين أن كلامه في واد وعينيه في واد آخر. تبدو كلماته دون معنى وعينيه تتجولان على جسدك صعودا ونزولا.

جلست على طرف السرير بعد أن جلس هو على الكرسي الوحيد الذي في الغرفة. أخرج علبة طعام من الكيس الأول وانبعثت رائحة القمرون. أخرج من الكيس الآخر قنينة نبيذ وكأسين زجاجيتين.

وضع يده على ركبتك. انتفضت.

"ستكون شراكتنا مثمرة، بإذن الله." قال.

"إن شاء الله،" تمتمت بصوت غير مسموع.

إن شاء الله! كانت آخر عبارة قالها والدك أمس، ولم يرد على أي من مكالماتك طيلة هذا اليوم. "اعتني بنفسك بابا." قلت له أمس قبل أن تنامي، ورد عليك برده المغربي الأثير. الجملة التي يمكن أن تقال في أي مناسبة، ودائما لا تعني شيئا. إن شاء الله. كم تكرهين أن تلقى العبارة في وجهك دون وجه حق. تكرهين التواكل الذي تحمله العبارة، وتمقتين أكثر التهرب من الوعود المستقبلية الذي يضمره في نفسه كل من يتلفظ بالعبارة مختبئا خلف مشيئة الله. خلف المبرر الذي يعرف أن لا أحد سيجرؤ على الوقوف أمامه صراحة.

حاولت الاتصال بأبيك طيلة النهار ولكن لا رد. لا شيء خطير على الأرجح. كثيرا ما يترك هاتفه في البيت حين يقرر الاستمتاع بخضرة الضواحي بعيدا عن صخب أمستردام، ثم يعرج في طريق عودته على أصدقائه المغاربة. المحاربون القدماء كما يسميهم. السواعد التي حملت قطع الآجر وأكياس الإسمنت لترفع المباني الهولندية. لكنك صرت تخافين هذا الصمت مذ توفي جدك قبل عام، في طنجة. كان يقيم مع خالتك، ابنته البكر، بعد أن عاد من هولندا إيان تقاعده. ترك هو الآخر هاتفه في البيت وخرج صباحا إلى السوق. جاء الظهر ولم يعد. تلك لم تكن عادته. جاء العصر وجاء المغرب ولم يجئ هو. تحول القلق إلى صخرة ثقيلة على قلوب خالتك وأبنائها. خرج الجميع بحثا عنه، وليلا جاء الخبر. جثة جدك في مستشفى محمد الخامس. جاءت التفاصيل لاحقا. كان جدك ينزل من سيارة الأجرة حين داهمته أزمة قلبية وسقط أرضا في الشارع. جاءت سيارة الإسعاف بعد قرن، وحين وضع جدك على سرير المستشفى كان البريق في عينيه قد انطفأ إلى الأبد. قال الأطباء أنه وصلهم متأخرا. لكن الحقيقة ما عادت تخفى عنك. كل من يصل المستشفى في طنجة يصلها متأخرا. إن لم تتأخر سيارة الإسعاف سيتأخر المريض خارج باب المستشفى خلف طابور طويل تصطف فيه كل أنواع البؤس، أو على أرضيةٍ في الرواق ينتظر سريرا أن يفرغ أو طبيبا أن يشغر.

جاءك ذاك الخبر فصرت تخافين على والدك. يتوقف قلبك كلما اكتشفت هاتفه مرميا على الأريكة وهو خارج البيت. تتذمرين وتفصحين له عن خوفك، ويتذمر هو ويفصح لك أن لن يصير في آخر أيامه عبدا للهاتف. تجلسين بالساعات تقضمين أضافرك تنتظرين الباب أن يفتح ويدخل والدك أو أن يرن هاتفك عن تلك المكالمة المشؤومة. تطمئنين نفسك قليلا أنك في هولندا. لو تعرض والدك لوعكة صحية في الشارع فسيلقى فورا الرعاية التي يحتاجها. لا خوف عليه من الإهمال هناك. لكن هيمنة القلق أكبر دائما، كما هي اليوم في هذا الفندق وسط القاهرة.

الوقت ليل الآن في أمستردام. تلتفتين إلى هاتفك على مخدة الفراش. يفترض أن والدك وصل البيت ورأى محاولاتك للاتصال به. ليس من عادته التأخر خارج البيت حتى هذه الساعة. لم يفعلها من قبل. القلق ينهشك ونظرات الشهوة في عيني الناشر تثير أحماض معدتك. تقومين واقفة. يدفعك خوفك على أبيك إلى استعادة بعض شجاعتك. "معذرة،" تقولين. "لا أشعر أني بخير. أيضا أنتظر مكالمة من أبي خلال دقائق. لنؤجل الاحتفال إلى وقت آخر." ليس هذا بالضبط ما أردت قوله، لكنه أفضل من لا شيء.

قام ضيفك غير المدعو ورأيت الانتفاخ أسفل بطنه. اللعنة. أغمضت عينيك مشمئزة. أردت البكاء. أمسك معصميك.

"خيرا. فضفضي لي ما يثقل عليك. يمكنني مساعدتك."

رائحة فمه تزكم أنفك. تسحبين يديك. تصرخين دون نية مسبقة بالصراخ. "ابتعد عني."

كانت غلطة أن تثيري ذعر الحيوان. أثرت ذعره وأيضا شهوته. رأيت شبح دهشة مر سريعا على عينيه. ثم رأيت كفه الثقيلة تصفع خدك. سقطت على الفراش. ألجمتك المفاجأة. كيف يجرؤ. يمكنك الصراخ وسيكون كل نزلاء الفندق هنا خلال دقائق. كيف يجرؤ. لكنك تأخرت. قفز عليك. ضغط بيسراه على فمك وأنفك وجلس بثقله على بطنك فضغطت أحشاؤك على رئتك. ظهر شيء من الرعب على وجهه. "أرجوك أصمتي. لا أريد أذيتك." لا. لن تصمتي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. تقفلين على ذاكرتك. ليس هذا وقت استدعاء الماضي. ركزي على المقاومة. ركبتيك حرتين اضربي بهما ظهره. يديك حرتين اخمشي بهما وجهه وسددي أصابعك نحو عينيه. لا فائدة. قوتك تخور. رئتك تجاهد لسحب الهواء لكن الحيوان جالس عليك ويسد فمك وأنفك. تمسكين يده بكلتا يديك. تدفعين. تخمشين. يضغط أكثر. قوتك تخور. لا. لن تستسلمي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. لا تستسلمي لشلال ذكرياتك. لا تهربي إلى مستنقع الماضي. تنتفضين. تحركين رأسك يمينا وشمالا وتواصلين خمش اليد المشعرة التي ما تزال تضغط على فمك وتسد أنفك. لا هواء يدخل رئتك. تتراكم الدموع في عينيك. تغيم الرؤية. "تبا لك. عاهرة. تسلمين نفسك للأجانب وأمامي تتمنعين. نحن عرب مثلك. مسلمون مثلك. نحن أولى بك." هذا ما قاله تماما إمام الجامع الذي كان يدرس لك العربية ويحفظك القرآن في بيتكم. أنت مغربية وهو مغربي وهو أولى بك. قال. كنت في السادسة عشر من عمرك حين قال إنه لن يؤذيك. هو فقط سيعلمك ما يفيدك حين تتزوجين. كنت في السادسة عشر من عمرك وكان هو في الأربعين أو أكثر قليلا. ليس معتادا أن تكوني في البيت وحدك. دائما يكون والدك هناك في تلك الساعة. لكن طارئا ما أخره. جاء الفقيه المعلم في موعده الثابت منذ سبعة أشهر. لم تجد حرجا في إدخاله. ماتت أمك قبل أن تصلي السن المناسبة لتفهمي تحذيراتها من الرجال. بدأت الحصة كما المعتاد، وحين اطمأن الفقيه ألا أحد في البيت غيركما أخذ كفك بين يديه، وقال "أنت مغربية وأنا مغربي. ابن بلدك أولى بك من الشباب الهولندي الفاسق." احتفظ بيدك في يسراه ووضع يمناه يربت على فخذك. "لن أؤذيك. أنت كبيرة بما يكفي ليستمتع كلانا، وسأعلمك ما يفيدك في زواجك." سحبت يدك ودفعتيه. صرخت أن يبتعد عنك. تعثر من دفعتك وسقط. احمر وجهه وجحظت عيناه. قام واقفا كمارد انطلق من قمقمه. هربت قبل أن يصل إليك. جرك من شعر رأسك وأطبق على فمك. أمسكك من وسطك وضغط ظهرك إلى صدره. شعرت بالعود الصلب على عجيزتك. ركلتيه بكعب قدمك على ساقه لكنك تألمت أكثر منه. رفع فستانك بيمناه ويسراه ما تزال تضغط على فمك. أرخى سرواله وأنت ما زلت تحاولين ركله ورفسه. تمكنت من عض أصابعه. صرخ وأبعد يده. سحبك مجددا من شعرك وأدارك إليه. صفعك أربع صفعات هدتك تماما. انهرت على الأريكة. سقط فوقك. سحب تبانك. لهث فوقك طويلا وهو يجاهد لاختراق لحمك الجاف. تألمت. تشنجت. ثم بعد سنوات وعقود وقرون قام عنك وترك بين ساقيك ماؤه النجس. جاء والدك ووجدك على تلك الحال. جن جنونه. أخذك فورا إلى المستشفى. جاءت الشرطة. لم يكن يعرف بعد الفاعل وكنت أنت في غيبوبة الصدمة. أخبرتيه لاحقا وجن جنونه من جديد. تدخل الجيران المغاربة ليمنعوا أباك من ارتكاب جريمة قتل، ثم تدخلوا مجددا يثنوه عن تقديم الشكوى. أقنعوه أن الشكوى ستحمل لك العار طيلة عمرك. رضخ مضطرا وقبل بعقاب أن يعود الفقيه إلى المغرب. لاحقا، بعد أربعة عشر عاما، ستكتبين روايتك الثالثة، وستخرجين صديد تلك الذكرة كاملة على صفحات الرواية التي ستهوي عليك بغضب رجال الدين المسلمين في هولندا وتهديدات بالقتل واعتداءات ستتواصل على بيتكم وعلى أبيك حتى اضطررتما للرحيل إلى حي آخر لا يسكن فيه إلا الهولنديون. كتبت الرواية لتعالجي جروح الماضي لكنها حفرت على روحك جروحا أخرى. غامت الرؤية أمامك تماما وشعرت بروحك تغادر جسدك بعد أن يئست رئتك من سحب الهواء.

رأيت النفق المظلم الشهير وفي آخره نقطة الضوء. تقدمت بخطوات هادئة وأنت تشعرين لأول مرة بصفاء وراحة بال كبيرين. ظهر لك الشبح أمامك وعرفت بسهولة أنها والدتك. "بنيتي، تعالي. اشتقت إليك." قال الشبح النوراني بصوت أمك الذي اشتقت إليه. مدت أمك يمناها في اتجاهك فرفعت يدك بدورك نحوها وأسرعت في خطواتك.

"لا تستسلمي يا فتاتي." جاء الصوت من خلفك صوت أبيك. التفت إليه. "لم يحن أوان رحيلك بعد. عودي إليّ صغيرتي."

توقفت ونظرت مترددة بين والدتك في نهاية النفق حيث النور البهي ووالدك خلفك في ظلمة النفق. كان الاختيار صعبا. لكنك اخترت البقاء وفتحت عينيك.

وجدت الظلام قد أطبق على الغرفة، إلا من وهج خفيف يصل من الخارج. وجدت نفسك وحيدة في غرفتك. لقد رحل الحيوان. تلمست جسدك المنهك. كنت مفككة الأوصال كجثة مر فوقها قطار. وجدت ملابسك ممزقة عنك. تلمست ما بين ساقيك فوجدت أثار اللزوجة لم تجف بعد. أغمضت عينيك وبكيت. ليس البقاء هو الاختيار الأنسب.  تنظرين إلى النافذة مليا. تلتفتين إلى الأوراق البيضاء على المنضدة المجاورة للسرير. تعودين بنظرك إلى النافذة، ثم إلى الأوراق مجددا. يتوقف جسدك عن النشيج. تقومين إلى الورقة. تضعين سن القلم بقوة. تكتبين. لم يخف الألم أبدا، وكذلك لم ينقص إصرارك. تضعين القلم فوق الورقة وتلتفتين إلى النافذة. تتقدمين ببطء واثق. تسحبين المقعد. تقفين عليه. تفتحين النافذة. تنظرين إلى الأسفلت البعيد. تنظرين إلى الأسفلت الذي يقترب. هبت نسمة هواء عبر النافذة المشرعة وطارت الورقة لتلحق بك، مثقلة بثقل بوحك.

محمد سعيد احجيوج،
طنجة. 14 أغسطس 2020

الموت في ليلهامر

مقطع من إحدى المسودات الكثيرة المتراكمة. قد يكون عنوان الرواية النادل المغربي، وقد يكون غير ذلك. تتطرق الرواية لحدث اغتيال المغربي أحمد البوشيخي في مدينة ليلهامر من طرف فرقة اغتيال إسرائلية خلطت بينه والفلسطيني علي حسن سلامة مخطط عملية ميونيخ التي سقط فيها 11 رياضيا إسرائليا في أولمبياد ميونيخ الصيفي 1972.

رصاصة واحدة تكفي لتقتل إذا أسبغ القاتل النية وأحكم إطلاقها، غير أن الإعدام انتقاما يتطلب أكثر من رصاصة واحدة. تحول المشاعر المتدفقة مع الانتقام دون إحكام التصويب ولا يمكن أن تفي رصاصة واحدة بالغرض. الرغبة بالإذلال المصاحبة للانتقام تتطلب تشويه الجسد وتحويله مصفاة مشوهة الثقوب. رصاصة واحدة لن تكفي لتشفي الغليل، ولا خمسا، ولا عشرا. بل إحدى عشرة رصاصة. إحدى عشرة رصاصة اخترقت سكون الليل في ليلهامر النرويجية في تلك الليلة الماطرة للحادي والعشرين من يوليو 1973، وحولت الجسد المستهدف إلى مصفاة تدفق منها الدم شلالا. بجانب الرجل الذي هوى أرضا وسط بركة دمائه كانت زوجته الحامل في شهرها السابع، وكانا عائدين معا من حفلة سينما شاهدا فيها فيلمين متتابعين. أصر الزوج على مشاهد الفيلم الإسرائيلي الصقور تهاجم فجرا، وأرادت الزوجة أن تشاهد فيلم دخول التنين الذي ختم به بروس لي مسيرته الفنية وعرضته قاعة السينما في حفل خاص كتكريم لبروس لي الذي أُعلنت وفاته في اليوم السابق. شحبت الزوجة تماما وابيض وجهها وانسحبت منه الدماء كأنها لم تكن هناك يوما. انتفض قلبها وصار يدق بجنون كأنه يريد الفرار من قفصها الصدري. كل ما كانت تفكر فيه أنها يجب ألا ترتعب. يجب أن تهدأ. مطلقا النار هربا ولم تكن لهما نية التصويب عليها. يجب أن تهدأ. الوعاء يجب أن يبقى سليما. لا يجب أن يهتز. الجنين يجب أن يعيش. لن تتحمل فقده. أغمضت عينيها عن زوجها المضرج في دمائه. شبكت أصابع يديها تحت بطنها المكورة. تنفست بعمق. تنفست ببطء. تخيلت نفسها تدخل مع كل شهقة وتخرج مع كل زفرة كأنها ريشة تحملها رياح خفيفة. تخيلت نفسها تسير عبر دمائها وتصل إلى رحمها. تمسد رأس ابنتها وتدور معها، تسبح معها، في ماء المشيمة، بسلام وهدوء. ليلتئذ، لم تنقذ توريل لارسن جنينها وحسب، بل الجنين نفسه، الابنة مليكة أنقذت أمها كذلك.

كانا متسترين بالظلام ينتظران. ريح تبلغ سرعتها ستون كيلومترا في الساعة. درجة الحرارة تبلغ خمسة عشر درجة مئوية. جوناثان. جواز سفر بريطاني. سلفيا. جواز سفر كندي. مصورة. قبعا في الظلام. الساعة تشير إلى الحادية عشر إلا ربع. رأيا أضواء الحافلة قادمة من أسفل الشارع. توقفت الحافلة في محطتها. نزل الزوجان أحمد المغربي، وتوريل لارسن المغربي. أمامهما بضعة أمتار قبل الوصول إلى بيتهما. فتح أحمد المظلة. حملها بيمينه واحتضن زوجته بيسراه. نظرت سلفيا إلى جوناثان. أومأ لها، وتحركا معا. خطوات واسعة. متجاورين. اقتربا من الزوجان الغافلان عنهما. أخرجا مسدسيهما على بعد مترين من الزوجين. صوبا بامتداد ذراعيهما، وأطلقا حسب الاتفاق المسبق بينهما. أطلق جوناثان خمس رصاصات إلى الصدر، وأطلقت سيلفيا خمس رصاصات إلى البطن والفخذين، ثم أضافت رصاصتها السادسة إلى الجبهة تماما. أحد عشر رصاصة. رصاصة مقابل كل روح أزهقها الرجل. تمت المهمة بنجاح. قبل أن يتهاوى جسد أحمد توقفت سيارتين بصرير مرتفع. قفز جوناثان إلى إحداهما وقفزت سيلفيا إلى الأخرى، وانطلقت السيارتين في اتجاهين معاكسين.

خرق دوي الرصاصات المتلاحقة سكون المدينة التي لم تعرف جريمة قتل طيلة ثلاثين سنة. ليلهامر المستكينة الهادئة التي يسكن فيها عشرون ألف شخص، ليس أكثر. ظهرت الأنوار تباعا في النوافذ المطلة على الشارع. التقطت امرأة من نافذة نوع ولون إحدى السيارتين قبل أن تغيب في الأفق المظلم. بيجو 500، بيضاء اللون.

مليون نافذة

أقر بأني أحب الألعاب السردية في الكتابة الروائية، ولا شك أني لا أفلت فرصة لتطعيم سردي بشكل، أو بآخر، أو أكثر من لعبة سردية، بدءا من روايتي الأولى البسيطة والمتواضعة، كافكا في طنجة، ثم أحجية إدمون عمران المالح، المعقدة والمتشابكة أحداثا وأزمنة، وأخيرا ليل طنجة، بنفسها السردي الطويل وتداخل مستوياتها السردية. أقول، كما جاء إقراري في أول الجملة، أنني أحب الألعاب السردية ولا أضيع، من مجلسي ككاتب، فرصة استغلال أي فرصة متاحة، غير أنني حين أجلس في مجلس القارئ، أو حسبما يقولون؛ حين أرتدي قبعة القارئ، وأقرأ عملا لا يخلو من الألعاب السردية، وأقصد طبعا عملا لكاتب آخر وليس نصا كتبته، كهذه الفقرة الطويلة، أكتشف، آنذاك وأنا أقرأ رواية متخمة بالألعاب السردية، أننا، معشر الكتاب الذين يعشقون التجريب على مستوى السرد، أننا نظلم قراءنا ونثقل عليهم، ونرهقهم، بألعاب سردية مملة، لا أحد يستمتع بها غير من يكتبها، وهكذا، إذا ما كان الكاتب منا ذا اسم معروف وهالة نورانية تحيط به، فإن القارئ، الذي سيمل حتى النخاع من ألعاب الكاتب السردية التي لا معنى لها، سيقول، بكل ثقة وشجاعة، كم هو عبقري ذلك الكاتب، أما لو كان الكاتب منا مغمورا غير ذي باع في سوق الكتب، كحال كاتب هذه الفقرة التي طالت كثيرا وأشك أن أحدا سيكملها حتى نهايتها، ولو أنك يا قارئي العزيز أكملتها أخبرني بذلك لأحتفل بي وبك، أقول لو أن كاتب تلك الخزعبلات السردية، هي خزعبلات الآن، كاتب مجهول الاسم، فإن القارئ سينتقم لنفسه من كل الكتاب المشهورين الذين أثقلوا عليه بغموضهم، وسيقول للكاتب غير المشهور إنه محض متطفل على الكتابة، وكتابته خالية من العمق، ونصه لا يستحق القراءة. أما أنت يا قارئي الجميل، وأنت يا قارئتي ذات الذوق الرفيع، سأخبرك سرا. هذه الفقرة، التي اقتربت أخيرا من نهايتها، جاءني شيطان وحيها، وبالمناسبة كلمة عبقرية في الانجليزية، جينيوس، وما في حكمها من لغات، قادمة من الكلمة العربية جني، والمقصود بها جن وادي عبقر حيث تسكن شياطين وحي الشعراء العرب، أعود وأقول جاءت هذه الفقرة وحيا متكاملا وأنا على عتبة الصفحة التاسعة والعشرين من الكتاب الموسوم رواية والمعنون بمليون نافذة والموقع باسم جيرالد مرنين.

سحر أمين معلوف في صخرة طانيوس

أعدت قراءة رواية صخرة طانيوس للمرة الثانية، وقد قرأتها أول مرة منذ أكثر من عامين. السحر نفسه لم ينقص شيئا، ونادرا ما أعيد قراءة رواية مرة ثانية وتعجبني كما أعجبتني أول مرة.

غلاف رواية صخرة طانيوس

الأجمل في رواية أمين معلوف هذه أن الساحر احتفظ في كمه بكل حيله السحرية. كانت نيتي الأساسية من إعادة القراءة دراسة الرواية، غير أنني أكثر من مرة كنت أنسى نفسي وأنسجم تماما في الحكاية. أريد أن أعرف كيف فعل الكاتب كذا وكيف سيفعل ذاك غير أن سحر السرد يقول لي: انس. إنك في وادي الرواية المقدس حيث سطوة الحكاية ستنسيك العالم الخارجي.

على العكس من ذلك، أرى الكثير من الكتاب العرب، الشباب منهم والمتمرسون في الحرفة سواء، يكشفون أنفسهم بسهولة، فأجدني أمام نصوصهم في حالة عكسية. أريد أن أنسجم في الحكاية لكن طريقة الكتابة لديهم تكشف نفسها بكل سهولة ولا أجدني قادرا على التركيز في السرد.

لتوضيح الفكرة تخيل أنك ذهبت لعرض سحري. الساحر متمكن من أدواته وجعلك تستمتع بعروضه دون أن يتسنى لك إطلاقا كشف سر أي حيلة من حيله. تلك حالة أمين معلوف في صخرة طانيوس. والآن تخيل أنك في عرض سحري تجد نفسك فيه مدركا لطريقة عمل كل الحيل التي يقدمها الساحر. هل ستستمتع؟ إطلاقا، لا.

صفحة كافكا في طنجة على جودريدز

هل قرأت رواية كافكا في طنجة؟ سيسعدني أن أطلع على رأيك. يمكنك مراسلتي بملاحظاتك أو يمكنك نشر تعليقك مباشرة على صفحة رواية "كافكا في طنجة" في شبكة جودريدز.

مراجعة المترجم باسل الطباع عن كافكا في طنجة

أول مراجعة لصالح رواية "كافكا في طنجة" جاءت من الأستاذ باسل الطباع، مترجم ومراجع في الأمم المتحدة، اطلع على مسودة الرواية قبل نشرها (كان عنوانها آنذاك "العزيف")، وتفضل بكتابة هذه المراجعة المميزة على حسابه في فيسبوك. قال:

صديقي الغالي خالد الجبيلي أمضيت وإياه أكثر من عشرين عاما في الأمم المتحدة. […] كان خالد عيني الساهرة على ما يصدر في العالم العربي من أدب القصة والرواية. فهو قارئ نهم يلتهم الكتب كالقوارض وكان مكتبه في الأمم المتحدة يعج بأحدث الإصدارات التي كان يقتنيها ويكلفه اقتناؤها مبالغ طائلة بسبب ارتفاع أجور النقل والشحن.

عندما كنت أزوروه في مكتبه، أو ألتقي به، وأقصد يوميا، تبدأ عملية السطو من مكتبته والسؤال التقليدي: خالد، ما رأيك في هذه الرواية؟ جواب: خذها جربها. لا بأس. وهذه؟ زبالة. وهذه؟ أسوأ! كنت أحمل مجموعة لا على التعيين وأعود بها إلى مكتبي. وبعد أسبوع أعيد لخالد الكتب وقد قرأت من كل كتاب بضع صفحات. قصص وروايات مخيبة للأمل. مجرد ثرثرة فارغة. وكنت تجد نفسك محظوظا إذا وقعت يدك على قصة أو رواية تطالعها إلى أخرها ليس بمتعة بل من غير أن تشقى وتتعذب من شدة الملل.

الآن خالد بعيد وأنا كاليتيم في عالم القصة والرواية العربية!

البارحة صباحا حصلت بمحض الصدفة السعيدة على رواية قصيرة للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج عنوانها "العزيف".

انتهيت في ساعة متأخرة من الليل من قراءة الرواية وأعدت قراءة بعض فصولها مرتين!

الرواية صدمتني حقا. صدمتني لأنها كانت رواية ناضجة ومشوقة لم أقوى على تركها لأنني كنت أريد أن أعرف ماذا سيجري في الفصل التالي من أحداث. أمر عجيب!

قرائتها كانت متعة حقيقية وهذه الرواية على قصرها مزدحمة بالأحداث المثيرة التي تشبه روافد نهر يصب في آخر الأمر في بحر الرواية. النكهة المغربية فيها نكهة أصيلة، على أن القصص القصيرة في إطار هذه الرواية وقعت وتقع في عالم العرب الموبوء بعجيب تناقضاته وتضارب قيمه المكشوف منها والمستور.

لغة الرواية أنيقة والسرد يخلو من التكلف والصنعة وأسلوبها سلس وعفوي، ولا تخلو من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة فضلا عن النظر الثاقب الذي يتمتع به مؤلف الرواية وسلّطه لكشف المستور من العيوب الاجتماعية.

* * *

العزيز باسل تفضل بتحرير المسودة وساعدني كثيرا على ضبط أخطائي اللغوية. شكرًا جزيلا باسل. مساعدتك كانت قيمة للغاية.

كافكا في طنجة، رواية مابعد حداثية تحاكي مسخ كافكا

صورة الكاتب محمد سعيد احجيوج وغلاف رواية كافكا في طنجة
(نشر هذا المقال بدايةً في ضفة ثالثة. أعيد نشره هنا بموافقة كاتبته مريم زرهون.)

بعد مجموعتين قصصيتين وغياب عشر سنوات عن الساحة الأدبية تأتي باكورة الإنتاج الروائي للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج نصا جريئا لا يخجل من وضع أصابعه جميعها على مكامن الجرح. رواية وسمت نفسها بعنوان لا يسلم مفاتيحه بسهولة -"كافكا في طنجة"- وباستهلال مباغت يهجم على القارئ دفعة واحدة.

يقول الراوي في الفقرة الأولى:

"قبل أن ينام قرأ قصة التحول الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين".

ماذا حدث وكيف ولماذا؟

استخدم الكاتب رواية فرانز كافكا الشهيرة "التحول" كقناع فني لإمتاع القارئ ولتمرير رسائله، كما استخدم حبكة الرواية العالمية ليبني عليها رواية معاصرة لشاب مغربي يستيقظ ذات صباح ويجد نفسه، مثل بطل رواية كافكا، تحول إلى مسخ.
ماذا حدث، كيف حدث، ولماذا حدث؟ تلك هي الأسئلة التي تتوسلها الرواية للحديث عن موضوعات تشمل: ثنائية الخير والشر، وبالأخص الشر الكامن داخل كل إنسان والحيوان الغريزي الذي يمكن أن ينفلت من عقاله في أي لحظة. تفكك الأسرة المغربية، والعربية عموما، وتحول المصلحة إلى الرابط الوحيد الذي يجمع بين أفرادها. إضافة إلى الفساد الأخلاقي وهيمنة الجنس والخيانة وسط الأزواج والعائلات.

تحكي الرواية عن جواد الإدريسي الذي يشتغل معلما في الفترة الصباحية، وبائع خضروات في المساء. تخلى جواد، كعادة الابن البكر في الأسر العربية التقليدية، عن دراسته الجامعية وطموحه الشخصي لأن يتخرج ناقدا أدبيا، واشتغل ليعيل أمه وأخته بعد أن اعتزل والده العمل واقتعد سجادة الصلاة متفرغا للعبادة والاستغفار عن سنوات عاشها الأب بصخب.

لكن بعد خمس سنوات من الإخلاص المستسلم للواجب الأسري، وبعد أن تعود جواد ونسي أحلامه الشخصية، جاءت الصدمة المباغتة واستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد انمسخ. تحول إلى مسخ شيطاني بقوى سحرية لن يعرف عنها جواد شيئا وهو يستيقظ كل صباح لا يتذكر شيئا مما حدث الليلة السابقة. الآن يفقد جواد نفسه ويفقد وظيفته وتفقد أسرته معيلها. لقد صار الآن هو ذاته عالة على أسرته، ولم يعد أمامه إلا أن يضحي بنفسه ويقدم حياته خلاصا لمعاناة الأسرة ولأسرارها الدفينة التي برزت إلى السطح.

تحولات المجتمع المغربي

تحيل الرواية بدءًا من عنوانها إلى عوالم كافكا الكابوسية، وبلغة أنيقة رشيقة وسرد ينساب كأنه معزوفة موسيقية تمكن الكاتب من أخذ إطار قصة كافكا الأشهر وملأ اللوحة بأحداث ومواقف أصيلة تشير مباشرة ودون مواربة إلى مكمن أمراض المجتمع.

لغة متينة ذات تركيبات جزلة وكلمات سهلة الفهم في متناول كل القراء. أحداث مشوقة، وصادمة، تدفعك لقراءة الرواية في جلسة واحدة ولا تفلتها من يدك. "كافكا في طنجة" رواية مكثفة، وهي على رغم قصرها، متعددة مستويات التأويل ومزدحمة بأحداث مثيرة تشبه روافد نهر يصب آخر الأمر في بحر الرواية التي تستمر منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير في الشد والجذب من شخصية إلى أخرى ومن زمن إلى آخر متنقلة إلى الأمام حينا وإلى الوراء تعود حينا آخر.

يتلاعب الكاتب بالشخصيات وبمصائرها، من جهة، ومن جهة أخرى يورط القارئ في لعبة القراءة والتأويل، منذ الصفحة الأولى، ويشركه في صناعة الحدث. كما لا تخلو الرواية من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة من النفاق المستشري في المجتمعات العربية.

من الفصل الأول للرواية نقرأ:

"قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب".

عقب ذلك الحلم المضطرب استيقظ جواد الإدريسي ليجد نفسه أنه إلى مسخ بشع، على فراشه، قد تحول. لقد انمسخ.

رغم سلبية البطل، كما نرى في كل تفاصيل حكايته، إلا أنه يمكننا أن ننظر إلى تحوله كفعل واع، كنوع من التمرد على ضغط المسؤوليات التي رزح تحتها. أو هو تحول لا إرادي بسبب الضغط ذاته الذي صار بسببه كأنه عبد يعمل للآخرين فقط ولا يحصل سوى على الفتات. حتى زوجته سنعرف في النهاية أنها لم تكن مخلصة له. منذ البداية لم يربطها به غير المصلحة. اكتشاف تلك الحقيقة ربما هو السبب الذي عجل بتحوله حين طغى عليه صديده الداخلي.

ما طبيعة هذا التحول؟ صعب الجزم. في ختام الفصل الأول يلمح الكاتب إلى لقاء بين جواد وكافكا. نعرف مشاكل كافكا مع المرأة والكبت الجنسي المفروض عليه رغم احتياجه الطافح. هل جاء كافكا بتعويذة سحرية ليسكن جوادا شيطان يتيح له الانتقام من النساء؟ قد تكون هذه قراءة موغلة في الغرابة لكنها ليست مستحيلة. طبيعة الراوي في الرواية تسمح بالذهاب في اتجاهات مختلفة وبعيدة لتأويل المسكوت عنه في الرواية. ثمة تشابه ضمني لا شك مع قصة الصراع بين دكتور جيكل ومستر هايد، وثمة أيضا رائحة لا يمكن إنكارها عن صفقة فاوستية، ربما لم تسر في طريقها الصحيح، بين جواد وذلك الضيف الذي يشبه كافكا.

نقرأ مثلا من الفصل الخامس، المعنون بـ"الرجل في المبنى الشاهق":

"صفق القرد في النافذة بمرح وحك إبطه باستمتاع [...] ثم صوب نظره أقصى اليمين، عند نهاية البوليفار، حيث صرخت كوابح سيارة رياضية مستنكرة التوقف المفاجئ. خرجت من الباب المجاور للسائق شابة تلبس تنورة قصيرة بالكاد تغطي استدارة ردفيها، وقميصا فوق سرتها بالكاد يغطي السواد المحيط بالحلمتين. صفقت الباب بقوة وشتمت السائق الذي خرج وصرخ فيها بوصف العاهرة. توقفت واستدارت إليه لترد وصف العهر لأمه. انحنى داخل السيارة وخرج بمسدس في يده. صوبه إلى صدرها. تجمدت المرأة في مكانها واعترى الرعب حامل المسدس الذي بدا أنه يصارع قوة خارجية تتحكم في يده. أراد أن يرخي قبضته على المسدس لكن أصابعه ضغطت الزناد. ارتخت يده أخيرا وسقط المسدس. دخل سيارته وهرب كأن الشياطين تطارده. خرقت الرصاصة سكون الليل فبدأت بعض الأنوار تظهر من النوافذ وبعض الرؤوس تطل باحثة عن مصدر الصوت الغريب. رأى بعضهم جثة فتاة الليل المكومة على الرصيف [...] فحسبوها مجرد متشرد نائم هناك كعادة المتشردين في ظلمة هذه المدينة [...] عادت الأنوار لتغمض عينيها وتستكين تحت جناح الليل، وبدأ القرد ينزلق عبر نوافذ المبنى نازلا إلى الشارع قاصدا مهمة، لن يعرف عنها بطلنا شيئا رغم أنه حين سيستيقظ صباحا سيجد يديه ملطختين بدم غريب ولن يعرف كيف أتت تلك الدماء إلى يديه".

لا يبدو الكاتب متهاونا مع المرأة، غير أن النقد والاحتفاء يسيران معا في خط متواز. يمكنك القول إنهما وجهان للعملة ذاتها. لننظر مثلا إلى شخصية الأخت. بقدر ما إن هند تتمرد على الأسرة والمجتمع وتختار الهروب مع العشيق الفرنسي هي أيضا تتمرد على النسق الاجتماعي الذي يفرض على الأبناء أن يكونوا إلى الأبد في خدمة آبائهم وألا تكون لهم حياتهم المستقلة. عكس الأخ، جواد، الذي ضحى بأحلامه ليصير معيل الأسرة ليتوافق مع التوقع المجتمعي منه كابن. رغم أنه لم يختر أن يكون ابنا وحتما ليس لهذه العائلة تحديدا. هنا، ورغم أن الرواية تنتقد المرأة، بالأخص ممثلة في الزوجة سارة، فهي أيضا تحتفي بالمرأة وبحقها أن تستقل بحياتها وألا تكون مجرد تابع للأسرة. تنتقد الرواية هنا طريقة الاستقلال التي تختارها المرأة. هند في الرواية كانت تسعى للزواج، بأي طريقة، حتى تتخلص من تبعيتها لأسرتها كما تنتقد الرواية عدم إخلاص هند، والإخوة عموما، لتضحية الأخ الأكبر الذي كثيرا ما يحمل على كتفيه ثقل مسؤولية الأسرة حتى يحصلوا هم على حياة أفضل، إلا أنهم يتعاملون مع الأمر كواجب محتم على الأخ الأكبر. أيضا تشير الرواية إلى الاستسلام القدري للأم وتبعيتها لزوجها، وهنا تقارن بين جيلين انطلاقا يفترقان وصارت لكل منهما تقاليده وأفكاره؛ الأم وابنتها.

غلاف رواية كافكا

البطل بألف وجه ورواية ما بعد الحداثة

اختيار الكاتب رواية كافكا قناعًا يعني أن روايته القصيرة، "كافكا في طنجة"، ورثت تلقائيا كل حمولة النص الأصلي حتى وإن لم تشر لتلك الثيمات بشكل مباشر، وهذه نقطة قوة منحت للنص الجديد آفاقا غير محدودة للتأويل.

يمكن للقارئ الذي لم يقرأ رواية كافكا أن يكتفي بهذا النص ولن يجد مشكلة في فهمه وسيجد أمامه لو شاء الغوص مستويات قراءة مختلفة تسمح له بالخروج من النص بعد كل قراءة بمتعة جديدة وأفكار مختلفة. أما من قرأ "التحول" من قبل فسيتمكن طيلة قراءته لهذه الرواية من المقارنة بين قصة جريغور سامسا وقصة جواد الإدريسي، وعائلتيهما، مع الاستمتاع بكل الإسقاطات والرموز المنتقلة من نص "التحول" إلى النص الوريث.

موضوع القناع يلمح إليه الكاتب بطريقة غير مباشرة بعنوان الفصل الأول عن الحكايات المتشابهة منذ بدايات الحضارة. جاء عنوان الفصل "البطل ذي الألف وجه" تلميحا مباشرا إلى كتاب جوزيف كامبل، البطل بألف وجه، وهو دراسة تقارن ما بين قصص الأساطير القديمة وقصص الثقافة الغربية المعاصرة. يناقش كامبل نظريته عن رحلة البطل النموذجي الموجود في الأساطير العالمية وتشابه أغلب الأحداث التي يواجهها البطل أثناء مغامرته.

هذا القناع، أو المحاكاة، هو أحد عناصر رواية ما بعد الحداثة، وقد استخدمها الكاتب في روايته الأولى بحنكة من خلال الاعتماد على راو غير بشري، كائن الحكي الذي أوحى إلى كافكا نفسه كما لكتاب غيره من قبل ومن بعد.

المَعلم الآخر من معالم رواية ما بعد الحداثة هو الإشارات المرجعية إلى الروايات الأخرى في عناوين الفصول كما في المتن، وهنا تنفتح الرواية على روايات أخرى متعددة وتتعالق معها لتمنح للنص مستويات تأويل إضافية وللقارئ تمنح متعا لا محدودة للقراءة.

كذلك تأتي سلبية البطل، أو البطل النقيض لو شئنا الدقة، مع التشظي في السرد معالم أخرى من رواية ما بعد الحداثة، بجانب اختيار الراوي، غير البشري، الذي سمح للكاتب من جهة أخرى باللعب على مستويات الواقع والخيال.

يقول الراوي، وهو كينونة غير بشرية تمثل مصدر كل الحكايات الإنسانية:

"وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما".

بعد ذلك مباشرة يلغي الكاتب الحدود بين الواقع والخيال، معتبرا إياهما الشيء ذاته ولا يفصل بينهما إلا المنظور. وحدها زاوية النظر هي التي تحدد، غالبا بشكل اعتباطي عشوائي غير عقلاني، بين ما هو حقيقي وما هو محض خيال.

إلغاء الحاجز بين الواقع والخيال يبرز أكثر من خلال تدخل الراوي في الأحداث: "تلك أمنيته هو، وأنا لا أنوي أن أحقق لهذا البطل كل ما يشتهيه. الحكاية تبقى حكايتي. نعم، نعم. يفترض ألا أتدخل في الوقائع وأكتفي بالسرد بعيدا دون أن أحشر نفسي في التفاصيل كلها. لكن لو فكرتم في الأمر ستجدون بأن الخيال يتدخل بضراوة في تشكيل الواقع؛ الحاضر والمستقبل وحتى الماضي".

جاءت باكورة إنتاجات محمد سعيد احجيوج الروائية موفقة، ولو أنها لا تخلو من هنات البداية، مثل بعض الأخطاء اللغوية، التكلف في عناوين الفصول وبعض المباشرة التي أفلتت منه في أحد المقاطع. لكن من الواضح أن الكاتب بدأ خطوته الأولى بقوة، ولا شك سنتوقع منه الأفضل في القادم من أعماله، وهو أمر ليس بالمستبعد علما أن مخطوط روايته "ليل طنجة" حصل على جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة في دورتها الأولى، كما أنه يستعد حاليا لصدور روايته الثانية "أحجية إدمون عمران المالح" عن دار نوفل/هاشيت أنطون في بيروت، خلال الأسابيع القادمة.

سليم بركات وابنة محمود درويش

(سليم بركات ومحمود درويش. مصدر الصورة)

أخرج سليم بركات من عزلته الممتدة منذ عقدين في السويد، من قبعته السحرية التي لا يضاهيه أحد فيما يخرج منها من سحر، سرا قديما كشف عنه محمود درويش، بتساهل من لا يهتم بسرية السر أو بأريحية بوح الأب لابنه، فقال كاشفا لصديقه سليم أنه أب. "لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ"، قال درويش. أب هو لابنة من علاقة غير شرعية بامرأة متزوجة.

هكذا علمنا فجأة، أن محمود درويش الذي تزوج مرتين، إحداهما من ابنة أخ نزار قباني، والذي أحب من قبل شابة يهودية تركته لتنظم لسلاح البحرية الإسرائيلية (هي من كتب عنها قصيدة ريتا والبندقية)، علمنا بغتة أن محمود درويش الذي لم ينجب ولم يرغب بالأبوة هو أب من علاقة عابرة بامرأة متزوجة.

لقد كشف سليم بركات، الشاعر والروائي الكردي-السوري الذي كتب عنه درويش قصيدته ليس للكردي إلا الريح، سرا ما كان يجب أن يكشفه، وهكذا نزلت عليه صواريخ المحاربين العرب، من كل صوب، واكتشف الكتاب والشعراء العرب فجأة أنهم يملكون الشجاعة ليقولوا بأن سليم بركات ليس بشاعر ولا بكاتب (وحتما ليس بنبي) وما هو إلا شخص يتحذلق بنحت الكلمات من الصخر ويشق على القراء ويجهد نفسه ليلد كلمات وحشية لا أحد يفهمها وتراكيب تستعصي على التهجي.

أخطأ سليم لا شك. غير أن صديقه جان دوست يقول دفاعا عنه أن بركات أخطأ كما يفعل الطفل الذي يحرج عائلته أمام الضيوف حين يتحدث ببراءة عن أسرار لا يفترض أن يتحدث بها أمام أغراب. لا سوء نية في الأمر، وسليم بركات الكبير قيمةً لا يبحث عن زوبعة ليتسلق ظهر أحد ما. كتب جان على صفحته في فيسبوك: "لا أعتقد أن سليم بركات أراد أن يفجر فضيحة في الوسط الأدبي، فهو الذي انعزل في منزله عن الدنيا كلها ويستعد بقلق لولوج حديقة السبعين، ويحاول قدر الإمكان تجنب الأضواء التي تبهر عينيه. لا، سليم الطفل السبعيني ليس ذلك الواشي الذي يدور بالأخبار والفضائح من مجلس إلى آخر بل إن ما فعله لا يعدو كونه نتيجة من نتائج عزلته. فالعالم اختصر عنده إلى قلة قليلة ممن يتواصل معهم ولا يرى في الأمر غضاضة إن تحدث عن سر وما هو بسر، وأنا على يقين من أنه ليس نذلاً كما يتهمه 'حراس الأخلاق' بل لم يقل شيئاً خطيرا لأن لا أنا ولا أنت ولا الآخرون من جنس الملائكة. سليم بركات كتب ما كتب ببراءة الطفل الذي يذيع سرا من أسرار أبيه في المجلس أمام الضيوف دون أن يتخيل عواقب ما يقول."

أعتقد أن المقال الذي نشره سليم بركات كاشفا فيه، ببراءة الطفل الذي يسكنه، سر محمود درويش، وهو مقال كتب منذ ثمان سنوات، مقالٌ لم يكتب لينشر. هو بمثابة خاطرة شخصية كتبها سليم لنفسه، وعلى الأرجح لم تخرج للعلن إلا بغواية صديق أو حماس مباغت خلال مراحل الإعداد لنشر حوار صحفي مطول أجراه وليد هرمز مع سليم بركات ونشر قبل أيام في كتاب بعنوان "لوعة كالرياضيات.. وحنين كالهندسة".

مشكلة المقال الأكبر، الذي عنونه سليم بـ "محمود درويش وأنا"، هي أنه يعيد التركيز على مأزق العلاقة بين بركات ودرويش. العلاقة التي يبدو من خلالها سليم كأنه طفل ولد يتيما ويتشبث دون هوادة بأب، صادفه في مسيرته، ليمنحه شرعية الاعتراف. يربط سليم بركات نفسه بمحمود درويش إلى درجة لصيقة كأنه يبحث عن اعتراف الآخرين بمكانته، من خلال اعترافه هو بعلاقته بمحمود درويش واعتراف الأخير بمكانته.

وهذا ما أشار إليه من قبل الناقد عبد الحميد محمد، عن مأزق هذه العلاقة التي لولاها لكان لسليم بركات شأنٌ آخر مختلف وأكثر أهمية في سوق الأدب: "مازلتُ أرى أنّ أكثر ما قلّل من حظوظ سليم بركات في سوق الأدب هي علاقته هذه مع محمود درويش، وإصراره على أن يكون ابنا لدرويش ونائبا له رغم أنه سيُظلم أدبيا لو قورن بدرويش في القوة والمتانة سواء لغويا أو فكريا."

زلة قلم من سليم بركات -وحتى هومير يحني رأسه- وجاءت الفرصة التي وجد فيها الكثيرون من الكتاب العرب الإذن ليخرجوا رؤوسهم من حفرهم. البقرة سقطت وتحول الجميع إلى جزارين. لكن، كما يستطرد يزن الحاج، وهو من أشد الرافضين لأسلوب سليم بركات المعقد: "سليم بركات لا يمون إلا على مجد سنوات الثمانينيات وعلى مقالات متفرقة وعلى جمهور معقول، ولا يعيش على تمويلات يتنافس عليها ذباب الثقافة على حد علمي. ماذا لو كان 'الجاني' شاعرا آخر تقلب بين كراسي رئاسة أقسام ثقافية وإدارات تحرير وتمويلات هائلة؟ العلم عند الله!"