مليون نافذة

أقر بأني أحب الألعاب السردية في الكتابة الروائية، ولا شك أني لا أفلت فرصة لتطعيم سردي بشكل، أو بآخر، أو أكثر من لعبة سردية، بدءا من روايتي الأولى البسيطة والمتواضعة، كافكا في طنجة، ثم أحجية إدمون عمران المالح، المعقدة والمتشابكة أحداثا وأزمنة، وأخيرا ليل طنجة، بنفسها السردي الطويل وتداخل مستوياتها السردية. أقول، كما جاء إقراري في أول الجملة، أنني أحب الألعاب السردية ولا أضيع، من مجلسي ككاتب، فرصة استغلال أي فرصة متاحة، غير أنني حين أجلس في مجلس القارئ، أو حسبما يقولون؛ حين أرتدي قبعة القارئ، وأقرأ عملا لا يخلو من الألعاب السردية، وأقصد طبعا عملا لكاتب آخر وليس نصا كتبته، كهذه الفقرة الطويلة، أكتشف، آنذاك وأنا أقرأ رواية متخمة بالألعاب السردية، أننا، معشر الكتاب الذين يعشقون التجريب على مستوى السرد، أننا نظلم قراءنا ونثقل عليهم، ونرهقهم، بألعاب سردية مملة، لا أحد يستمتع بها غير من يكتبها، وهكذا، إذا ما كان الكاتب منا ذا اسم معروف وهالة نورانية تحيط به، فإن القارئ، الذي سيمل حتى النخاع من ألعاب الكاتب السردية التي لا معنى لها، سيقول، بكل ثقة وشجاعة، كم هو عبقري ذلك الكاتب، أما لو كان الكاتب منا مغمورا غير ذي باع في سوق الكتب، كحال كاتب هذه الفقرة التي طالت كثيرا وأشك أن أحدا سيكملها حتى نهايتها، ولو أنك يا قارئي العزيز أكملتها أخبرني بذلك لأحتفل بي وبك، أقول لو أن كاتب تلك الخزعبلات السردية، هي خزعبلات الآن، كاتب مجهول الاسم، فإن القارئ سينتقم لنفسه من كل الكتاب المشهورين الذين أثقلوا عليه بغموضهم، وسيقول للكاتب غير المشهور إنه محض متطفل على الكتابة، وكتابته خالية من العمق، ونصه لا يستحق القراءة. أما أنت يا قارئي الجميل، وأنت يا قارئتي ذات الذوق الرفيع، سأخبرك سرا. هذه الفقرة، التي اقتربت أخيرا من نهايتها، جاءني شيطان وحيها، وبالمناسبة كلمة عبقرية في الانجليزية، جينيوس، وما في حكمها من لغات، قادمة من الكلمة العربية جني، والمقصود بها جن وادي عبقر حيث تسكن شياطين وحي الشعراء العرب، أعود وأقول جاءت هذه الفقرة وحيا متكاملا وأنا على عتبة الصفحة التاسعة والعشرين من الكتاب الموسوم رواية والمعنون بمليون نافذة والموقع باسم جيرالد مرنين.

سحر أمين معلوف في صخرة طانيوس

أعدت قراءة رواية صخرة طانيوس للمرة الثانية، وقد قرأتها أول مرة منذ أكثر من عامين. السحر نفسه لم ينقص شيئا، ونادرا ما أعيد قراءة رواية مرة ثانية وتعجبني كما أعجبتني أول مرة.

غلاف رواية صخرة طانيوس

الأجمل في رواية أمين معلوف هذه أن الساحر احتفظ في كمه بكل حيله السحرية. كانت نيتي الأساسية من إعادة القراءة دراسة الرواية، غير أنني أكثر من مرة كنت أنسى نفسي وأنسجم تماما في الحكاية. أريد أن أعرف كيف فعل الكاتب كذا وكيف سيفعل ذاك غير أن سحر السرد يقول لي: انس. إنك في وادي الرواية المقدس حيث سطوة الحكاية ستنسيك العالم الخارجي.

على العكس من ذلك، أرى الكثير من الكتاب العرب، الشباب منهم والمتمرسون في الحرفة سواء، يكشفون أنفسهم بسهولة، فأجدني أمام نصوصهم في حالة عكسية. أريد أن أنسجم في الحكاية لكن طريقة الكتابة لديهم تكشف نفسها بكل سهولة ولا أجدني قادرا على التركيز في السرد.

لتوضيح الفكرة تخيل أنك ذهبت لعرض سحري. الساحر متمكن من أدواته وجعلك تستمتع بعروضه دون أن يتسنى لك إطلاقا كشف سر أي حيلة من حيله. تلك حالة أمين معلوف في صخرة طانيوس. والآن تخيل أنك في عرض سحري تجد نفسك فيه مدركا لطريقة عمل كل الحيل التي يقدمها الساحر. هل ستستمتع؟ إطلاقا، لا.

صفحة كافكا في طنجة على جودريدز

هل قرأت رواية كافكا في طنجة؟ سيسعدني أن أطلع على رأيك. يمكنك مراسلتي بملاحظاتك أو يمكنك نشر تعليقك مباشرة على صفحة رواية “كافكا في طنجة” في شبكة جودريدز.

مراجعة المترجم باسل الطباع عن كافكا في طنجة

أول مراجعة لصالح رواية “كافكا في طنجة” جاءت من الأستاذ باسل الطباع، مترجم ومراجع في الأمم المتحدة، اطلع على مسودة الرواية قبل نشرها (كان عنوانها آنذاك “العزيف“)، وتفضل بكتابة هذه المراجعة المميزة على حسابه في فيسبوك. قال:

صديقي الغالي خالد الجبيلي أمضيت وإياه أكثر من عشرين عاما في الأمم المتحدة. […] كان خالد عيني الساهرة على ما يصدر في العالم العربي من أدب القصة والرواية. فهو قارئ نهم يلتهم الكتب كالقوارض وكان مكتبه في الأمم المتحدة يعج بأحدث الإصدارات التي كان يقتنيها ويكلفه اقتناؤها مبالغ طائلة بسبب ارتفاع أجور النقل والشحن.

عندما كنت أزوروه في مكتبه، أو ألتقي به، وأقصد يوميا، تبدأ عملية السطو من مكتبته والسؤال التقليدي: خالد، ما رأيك في هذه الرواية؟ جواب: خذها جربها. لا بأس. وهذه؟ زبالة. وهذه؟ أسوأ! كنت أحمل مجموعة لا على التعيين وأعود بها إلى مكتبي. وبعد أسبوع أعيد لخالد الكتب وقد قرأت من كل كتاب بضع صفحات. قصص وروايات مخيبة للأمل. مجرد ثرثرة فارغة. وكنت تجد نفسك محظوظا إذا وقعت يدك على قصة أو رواية تطالعها إلى أخرها ليس بمتعة بل من غير أن تشقى وتتعذب من شدة الملل.

الآن خالد بعيد وأنا كاليتيم في عالم القصة والرواية العربية!

البارحة صباحا حصلت بمحض الصدفة السعيدة على رواية قصيرة للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج عنوانها “العزيف”.

انتهيت في ساعة متأخرة من الليل من قراءة الرواية وأعدت قراءة بعض فصولها مرتين!

الرواية صدمتني حقا. صدمتني لأنها كانت رواية ناضجة ومشوقة لم أقوى على تركها لأنني كنت أريد أن أعرف ماذا سيجري في الفصل التالي من أحداث. أمر عجيب!

قرائتها كانت متعة حقيقية وهذه الرواية على قصرها مزدحمة بالأحداث المثيرة التي تشبه روافد نهر يصب في آخر الأمر في بحر الرواية. النكهة المغربية فيها نكهة أصيلة، على أن القصص القصيرة في إطار هذه الرواية وقعت وتقع في عالم العرب الموبوء بعجيب تناقضاته وتضارب قيمه المكشوف منها والمستور.

لغة الرواية أنيقة والسرد يخلو من التكلف والصنعة وأسلوبها سلس وعفوي، ولا تخلو من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة فضلا عن النظر الثاقب الذي يتمتع به مؤلف الرواية وسلّطه لكشف المستور من العيوب الاجتماعية.

* * *

العزيز باسل تفضل بتحرير المسودة وساعدني كثيرا على ضبط أخطائي اللغوية. شكرًا جزيلا باسل. مساعدتك كانت قيمة للغاية.

كافكا في طنجة، رواية مابعد حداثية تحاكي مسخ كافكا

صورة الكاتب محمد سعيد احجيوج وغلاف رواية كافكا في طنجة
(نشر هذا المقال بدايةً في ضفة ثالثة. أعيد نشره هنا بموافقة كاتبته مريم زرهون.)

بعد مجموعتين قصصيتين وغياب عشر سنوات عن الساحة الأدبية تأتي باكورة الإنتاج الروائي للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج نصا جريئا لا يخجل من وضع أصابعه جميعها على مكامن الجرح. رواية وسمت نفسها بعنوان لا يسلم مفاتيحه بسهولة -“كافكا في طنجة”- وباستهلال مباغت يهجم على القارئ دفعة واحدة.

يقول الراوي في الفقرة الأولى:

“قبل أن ينام قرأ قصة التحول الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين”.

ماذا حدث وكيف ولماذا؟

استخدم الكاتب رواية فرانز كافكا الشهيرة “التحول” كقناع فني لإمتاع القارئ ولتمرير رسائله، كما استخدم حبكة الرواية العالمية ليبني عليها رواية معاصرة لشاب مغربي يستيقظ ذات صباح ويجد نفسه، مثل بطل رواية كافكا، تحول إلى مسخ.
ماذا حدث، كيف حدث، ولماذا حدث؟ تلك هي الأسئلة التي تتوسلها الرواية للحديث عن موضوعات تشمل: ثنائية الخير والشر، وبالأخص الشر الكامن داخل كل إنسان والحيوان الغريزي الذي يمكن أن ينفلت من عقاله في أي لحظة. تفكك الأسرة المغربية، والعربية عموما، وتحول المصلحة إلى الرابط الوحيد الذي يجمع بين أفرادها. إضافة إلى الفساد الأخلاقي وهيمنة الجنس والخيانة وسط الأزواج والعائلات.

تحكي الرواية عن جواد الإدريسي الذي يشتغل معلما في الفترة الصباحية، وبائع خضروات في المساء. تخلى جواد، كعادة الابن البكر في الأسر العربية التقليدية، عن دراسته الجامعية وطموحه الشخصي لأن يتخرج ناقدا أدبيا، واشتغل ليعيل أمه وأخته بعد أن اعتزل والده العمل واقتعد سجادة الصلاة متفرغا للعبادة والاستغفار عن سنوات عاشها الأب بصخب.

لكن بعد خمس سنوات من الإخلاص المستسلم للواجب الأسري، وبعد أن تعود جواد ونسي أحلامه الشخصية، جاءت الصدمة المباغتة واستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد انمسخ. تحول إلى مسخ شيطاني بقوى سحرية لن يعرف عنها جواد شيئا وهو يستيقظ كل صباح لا يتذكر شيئا مما حدث الليلة السابقة. الآن يفقد جواد نفسه ويفقد وظيفته وتفقد أسرته معيلها. لقد صار الآن هو ذاته عالة على أسرته، ولم يعد أمامه إلا أن يضحي بنفسه ويقدم حياته خلاصا لمعاناة الأسرة ولأسرارها الدفينة التي برزت إلى السطح.

تحولات المجتمع المغربي

تحيل الرواية بدءًا من عنوانها إلى عوالم كافكا الكابوسية، وبلغة أنيقة رشيقة وسرد ينساب كأنه معزوفة موسيقية تمكن الكاتب من أخذ إطار قصة كافكا الأشهر وملأ اللوحة بأحداث ومواقف أصيلة تشير مباشرة ودون مواربة إلى مكمن أمراض المجتمع.

لغة متينة ذات تركيبات جزلة وكلمات سهلة الفهم في متناول كل القراء. أحداث مشوقة، وصادمة، تدفعك لقراءة الرواية في جلسة واحدة ولا تفلتها من يدك. “كافكا في طنجة” رواية مكثفة، وهي على رغم قصرها، متعددة مستويات التأويل ومزدحمة بأحداث مثيرة تشبه روافد نهر يصب آخر الأمر في بحر الرواية التي تستمر منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير في الشد والجذب من شخصية إلى أخرى ومن زمن إلى آخر متنقلة إلى الأمام حينا وإلى الوراء تعود حينا آخر.

يتلاعب الكاتب بالشخصيات وبمصائرها، من جهة، ومن جهة أخرى يورط القارئ في لعبة القراءة والتأويل، منذ الصفحة الأولى، ويشركه في صناعة الحدث. كما لا تخلو الرواية من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة من النفاق المستشري في المجتمعات العربية.

من الفصل الأول للرواية نقرأ:

“قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب”.

عقب ذلك الحلم المضطرب استيقظ جواد الإدريسي ليجد نفسه أنه إلى مسخ بشع، على فراشه، قد تحول. لقد انمسخ.

رغم سلبية البطل، كما نرى في كل تفاصيل حكايته، إلا أنه يمكننا أن ننظر إلى تحوله كفعل واع، كنوع من التمرد على ضغط المسؤوليات التي رزح تحتها. أو هو تحول لا إرادي بسبب الضغط ذاته الذي صار بسببه كأنه عبد يعمل للآخرين فقط ولا يحصل سوى على الفتات. حتى زوجته سنعرف في النهاية أنها لم تكن مخلصة له. منذ البداية لم يربطها به غير المصلحة. اكتشاف تلك الحقيقة ربما هو السبب الذي عجل بتحوله حين طغى عليه صديده الداخلي.

ما طبيعة هذا التحول؟ صعب الجزم. في ختام الفصل الأول يلمح الكاتب إلى لقاء بين جواد وكافكا. نعرف مشاكل كافكا مع المرأة والكبت الجنسي المفروض عليه رغم احتياجه الطافح. هل جاء كافكا بتعويذة سحرية ليسكن جوادا شيطان يتيح له الانتقام من النساء؟ قد تكون هذه قراءة موغلة في الغرابة لكنها ليست مستحيلة. طبيعة الراوي في الرواية تسمح بالذهاب في اتجاهات مختلفة وبعيدة لتأويل المسكوت عنه في الرواية. ثمة تشابه ضمني لا شك مع قصة الصراع بين دكتور جيكل ومستر هايد، وثمة أيضا رائحة لا يمكن إنكارها عن صفقة فاوستية، ربما لم تسر في طريقها الصحيح، بين جواد وذلك الضيف الذي يشبه كافكا.

نقرأ مثلا من الفصل الخامس، المعنون بـ”الرجل في المبنى الشاهق”:

“صفق القرد في النافذة بمرح وحك إبطه باستمتاع […] ثم صوب نظره أقصى اليمين، عند نهاية البوليفار، حيث صرخت كوابح سيارة رياضية مستنكرة التوقف المفاجئ. خرجت من الباب المجاور للسائق شابة تلبس تنورة قصيرة بالكاد تغطي استدارة ردفيها، وقميصا فوق سرتها بالكاد يغطي السواد المحيط بالحلمتين. صفقت الباب بقوة وشتمت السائق الذي خرج وصرخ فيها بوصف العاهرة. توقفت واستدارت إليه لترد وصف العهر لأمه. انحنى داخل السيارة وخرج بمسدس في يده. صوبه إلى صدرها. تجمدت المرأة في مكانها واعترى الرعب حامل المسدس الذي بدا أنه يصارع قوة خارجية تتحكم في يده. أراد أن يرخي قبضته على المسدس لكن أصابعه ضغطت الزناد. ارتخت يده أخيرا وسقط المسدس. دخل سيارته وهرب كأن الشياطين تطارده. خرقت الرصاصة سكون الليل فبدأت بعض الأنوار تظهر من النوافذ وبعض الرؤوس تطل باحثة عن مصدر الصوت الغريب. رأى بعضهم جثة فتاة الليل المكومة على الرصيف […] فحسبوها مجرد متشرد نائم هناك كعادة المتشردين في ظلمة هذه المدينة […] عادت الأنوار لتغمض عينيها وتستكين تحت جناح الليل، وبدأ القرد ينزلق عبر نوافذ المبنى نازلا إلى الشارع قاصدا مهمة، لن يعرف عنها بطلنا شيئا رغم أنه حين سيستيقظ صباحا سيجد يديه ملطختين بدم غريب ولن يعرف كيف أتت تلك الدماء إلى يديه”.

لا يبدو الكاتب متهاونا مع المرأة، غير أن النقد والاحتفاء يسيران معا في خط متواز. يمكنك القول إنهما وجهان للعملة ذاتها. لننظر مثلا إلى شخصية الأخت. بقدر ما إن هند تتمرد على الأسرة والمجتمع وتختار الهروب مع العشيق الفرنسي هي أيضا تتمرد على النسق الاجتماعي الذي يفرض على الأبناء أن يكونوا إلى الأبد في خدمة آبائهم وألا تكون لهم حياتهم المستقلة. عكس الأخ، جواد، الذي ضحى بأحلامه ليصير معيل الأسرة ليتوافق مع التوقع المجتمعي منه كابن. رغم أنه لم يختر أن يكون ابنا وحتما ليس لهذه العائلة تحديدا. هنا، ورغم أن الرواية تنتقد المرأة، بالأخص ممثلة في الزوجة سارة، فهي أيضا تحتفي بالمرأة وبحقها أن تستقل بحياتها وألا تكون مجرد تابع للأسرة. تنتقد الرواية هنا طريقة الاستقلال التي تختارها المرأة. هند في الرواية كانت تسعى للزواج، بأي طريقة، حتى تتخلص من تبعيتها لأسرتها كما تنتقد الرواية عدم إخلاص هند، والإخوة عموما، لتضحية الأخ الأكبر الذي كثيرا ما يحمل على كتفيه ثقل مسؤولية الأسرة حتى يحصلوا هم على حياة أفضل، إلا أنهم يتعاملون مع الأمر كواجب محتم على الأخ الأكبر. أيضا تشير الرواية إلى الاستسلام القدري للأم وتبعيتها لزوجها، وهنا تقارن بين جيلين انطلاقا يفترقان وصارت لكل منهما تقاليده وأفكاره؛ الأم وابنتها.

غلاف رواية كافكا

البطل بألف وجه ورواية ما بعد الحداثة

اختيار الكاتب رواية كافكا قناعًا يعني أن روايته القصيرة، “كافكا في طنجة”، ورثت تلقائيا كل حمولة النص الأصلي حتى وإن لم تشر لتلك الثيمات بشكل مباشر، وهذه نقطة قوة منحت للنص الجديد آفاقا غير محدودة للتأويل.

يمكن للقارئ الذي لم يقرأ رواية كافكا أن يكتفي بهذا النص ولن يجد مشكلة في فهمه وسيجد أمامه لو شاء الغوص مستويات قراءة مختلفة تسمح له بالخروج من النص بعد كل قراءة بمتعة جديدة وأفكار مختلفة. أما من قرأ “التحول” من قبل فسيتمكن طيلة قراءته لهذه الرواية من المقارنة بين قصة جريغور سامسا وقصة جواد الإدريسي، وعائلتيهما، مع الاستمتاع بكل الإسقاطات والرموز المنتقلة من نص “التحول” إلى النص الوريث.

موضوع القناع يلمح إليه الكاتب بطريقة غير مباشرة بعنوان الفصل الأول عن الحكايات المتشابهة منذ بدايات الحضارة. جاء عنوان الفصل “البطل ذي الألف وجه” تلميحا مباشرا إلى كتاب جوزيف كامبل، البطل بألف وجه، وهو دراسة تقارن ما بين قصص الأساطير القديمة وقصص الثقافة الغربية المعاصرة. يناقش كامبل نظريته عن رحلة البطل النموذجي الموجود في الأساطير العالمية وتشابه أغلب الأحداث التي يواجهها البطل أثناء مغامرته.

هذا القناع، أو المحاكاة، هو أحد عناصر رواية ما بعد الحداثة، وقد استخدمها الكاتب في روايته الأولى بحنكة من خلال الاعتماد على راو غير بشري، كائن الحكي الذي أوحى إلى كافكا نفسه كما لكتاب غيره من قبل ومن بعد.

المَعلم الآخر من معالم رواية ما بعد الحداثة هو الإشارات المرجعية إلى الروايات الأخرى في عناوين الفصول كما في المتن، وهنا تنفتح الرواية على روايات أخرى متعددة وتتعالق معها لتمنح للنص مستويات تأويل إضافية وللقارئ تمنح متعا لا محدودة للقراءة.

كذلك تأتي سلبية البطل، أو البطل النقيض لو شئنا الدقة، مع التشظي في السرد معالم أخرى من رواية ما بعد الحداثة، بجانب اختيار الراوي، غير البشري، الذي سمح للكاتب من جهة أخرى باللعب على مستويات الواقع والخيال.

يقول الراوي، وهو كينونة غير بشرية تمثل مصدر كل الحكايات الإنسانية:

“وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما”.

بعد ذلك مباشرة يلغي الكاتب الحدود بين الواقع والخيال، معتبرا إياهما الشيء ذاته ولا يفصل بينهما إلا المنظور. وحدها زاوية النظر هي التي تحدد، غالبا بشكل اعتباطي عشوائي غير عقلاني، بين ما هو حقيقي وما هو محض خيال.

إلغاء الحاجز بين الواقع والخيال يبرز أكثر من خلال تدخل الراوي في الأحداث: “تلك أمنيته هو، وأنا لا أنوي أن أحقق لهذا البطل كل ما يشتهيه. الحكاية تبقى حكايتي. نعم، نعم. يفترض ألا أتدخل في الوقائع وأكتفي بالسرد بعيدا دون أن أحشر نفسي في التفاصيل كلها. لكن لو فكرتم في الأمر ستجدون بأن الخيال يتدخل بضراوة في تشكيل الواقع؛ الحاضر والمستقبل وحتى الماضي”.

جاءت باكورة إنتاجات محمد سعيد احجيوج الروائية موفقة، ولو أنها لا تخلو من هنات البداية، مثل بعض الأخطاء اللغوية، التكلف في عناوين الفصول وبعض المباشرة التي أفلتت منه في أحد المقاطع. لكن من الواضح أن الكاتب بدأ خطوته الأولى بقوة، ولا شك سنتوقع منه الأفضل في القادم من أعماله، وهو أمر ليس بالمستبعد علما أن مخطوط روايته “ليل طنجة” حصل على جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة في دورتها الأولى، كما أنه يستعد حاليا لصدور روايته الثانية “أحجية إدمون عمران المالح” عن دار نوفل/هاشيت أنطون في بيروت، خلال الأسابيع القادمة.

سليم بركات وابنة محمود درويش

(سليم بركات ومحمود درويش. مصدر الصورة)

أخرج سليم بركات من عزلته الممتدة منذ عقدين في السويد، من قبعته السحرية التي لا يضاهيه أحد فيما يخرج منها من سحر، سرا قديما كشف عنه محمود درويش، بتساهل من لا يهتم بسرية السر أو بأريحية بوح الأب لابنه، فقال كاشفا لصديقه سليم أنه أب. “لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ”، قال درويش. أب هو لابنة من علاقة غير شرعية بامرأة متزوجة.

هكذا علمنا فجأة، أن محمود درويش الذي تزوج مرتين، إحداهما من ابنة أخ نزار قباني، والذي أحب من قبل شابة يهودية تركته لتنظم لسلاح البحرية الإسرائيلية (هي من كتب عنها قصيدة ريتا والبندقية)، علمنا بغتة أن محمود درويش الذي لم ينجب ولم يرغب بالأبوة هو أب من علاقة عابرة بامرأة متزوجة.

لقد كشف سليم بركات، الشاعر والروائي الكردي-السوري الذي كتب عنه درويش قصيدته ليس للكردي إلا الريح، سرا ما كان يجب أن يكشفه، وهكذا نزلت عليه صواريخ المحاربين العرب، من كل صوب، واكتشف الكتاب والشعراء العرب فجأة أنهم يملكون الشجاعة ليقولوا بأن سليم بركات ليس بشاعر ولا بكاتب (وحتما ليس بنبي) وما هو إلا شخص يتحذلق بنحت الكلمات من الصخر ويشق على القراء ويجهد نفسه ليلد كلمات وحشية لا أحد يفهمها وتراكيب تستعصي على التهجي.

أخطأ سليم لا شك. غير أن صديقه جان دوست يقول دفاعا عنه أن بركات أخطأ كما يفعل الطفل الذي يحرج عائلته أمام الضيوف حين يتحدث ببراءة عن أسرار لا يفترض أن يتحدث بها أمام أغراب. لا سوء نية في الأمر، وسليم بركات الكبير قيمةً لا يبحث عن زوبعة ليتسلق ظهر أحد ما. كتب جان على صفحته في فيسبوك: “لا أعتقد أن سليم بركات أراد أن يفجر فضيحة في الوسط الأدبي، فهو الذي انعزل في منزله عن الدنيا كلها ويستعد بقلق لولوج حديقة السبعين، ويحاول قدر الإمكان تجنب الأضواء التي تبهر عينيه. لا، سليم الطفل السبعيني ليس ذلك الواشي الذي يدور بالأخبار والفضائح من مجلس إلى آخر بل إن ما فعله لا يعدو كونه نتيجة من نتائج عزلته. فالعالم اختصر عنده إلى قلة قليلة ممن يتواصل معهم ولا يرى في الأمر غضاضة إن تحدث عن سر وما هو بسر، وأنا على يقين من أنه ليس نذلاً كما يتهمه ‘حراس الأخلاق’ بل لم يقل شيئاً خطيرا لأن لا أنا ولا أنت ولا الآخرون من جنس الملائكة. سليم بركات كتب ما كتب ببراءة الطفل الذي يذيع سرا من أسرار أبيه في المجلس أمام الضيوف دون أن يتخيل عواقب ما يقول.”

أعتقد أن المقال الذي نشره سليم بركات كاشفا فيه، ببراءة الطفل الذي يسكنه، سر محمود درويش، وهو مقال كتب منذ ثمان سنوات، مقالٌ لم يكتب لينشر. هو بمثابة خاطرة شخصية كتبها سليم لنفسه، وعلى الأرجح لم تخرج للعلن إلا بغواية صديق أو حماس مباغت خلال مراحل الإعداد لنشر حوار صحفي مطول أجراه وليد هرمز مع سليم بركات ونشر قبل أيام في كتاب بعنوان “لوعة كالرياضيات.. وحنين كالهندسة”.

مشكلة المقال الأكبر، الذي عنونه سليم بـ “محمود درويش وأنا“، هي أنه يعيد التركيز على مأزق العلاقة بين بركات ودرويش. العلاقة التي يبدو من خلالها سليم كأنه طفل ولد يتيما ويتشبث دون هوادة بأب، صادفه في مسيرته، ليمنحه شرعية الاعتراف. يربط سليم بركات نفسه بمحمود درويش إلى درجة لصيقة كأنه يبحث عن اعتراف الآخرين بمكانته، من خلال اعترافه هو بعلاقته بمحمود درويش واعتراف الأخير بمكانته.

وهذا ما أشار إليه من قبل الناقد عبد الحميد محمد، عن مأزق هذه العلاقة التي لولاها لكان لسليم بركات شأنٌ آخر مختلف وأكثر أهمية في سوق الأدب: “مازلتُ أرى أنّ أكثر ما قلّل من حظوظ سليم بركات في سوق الأدب هي علاقته هذه مع محمود درويش، وإصراره على أن يكون ابنا لدرويش ونائبا له رغم أنه سيُظلم أدبيا لو قورن بدرويش في القوة والمتانة سواء لغويا أو فكريا.”

زلة قلم من سليم بركات -وحتى هومير يحني رأسه- وجاءت الفرصة التي وجد فيها الكثيرون من الكتاب العرب الإذن ليخرجوا رؤوسهم من حفرهم. البقرة سقطت وتحول الجميع إلى جزارين. لكن، كما يستطرد يزن الحاج، وهو من أشد الرافضين لأسلوب سليم بركات المعقد: “سليم بركات لا يمون إلا على مجد سنوات الثمانينيات وعلى مقالات متفرقة وعلى جمهور معقول، ولا يعيش على تمويلات يتنافس عليها ذباب الثقافة على حد علمي. ماذا لو كان ‘الجاني’ شاعرا آخر تقلب بين كراسي رئاسة أقسام ثقافية وإدارات تحرير وتمويلات هائلة؟ العلم عند الله!”

كافكا في طنجة، رواية تنثر السحر والملح على جراح المجتمعات العربية

غلاف كافكا في طنجة
(نشر هذا المقال أول مرة في هسبريس، وأعيد نشره هنا بموافقة كاتبه محماد إزيرار.)

لا يخفف عنا في هذه الغربة الباردة التي أرسلتنا إليها لقمة العيش إلا ما يصلنا بين وقت وآخر من رحيق الوطن: عسل وزيت زيتون وفطائر ترسلها الوالدة العزيزة، مع حلويات كعب الغزال التي تتفنن أختي بخبزها. لكن لا شيء وصل إلى الأراضي المنخفضة منذ ثلاثة أشهر، بسبب الحجر الصحي وإقفال الحدود. لم يخفف عني قليلا إلا الانشغال بالمكتبة الغنية لرفيق سكني الذي لا يطلب من عائلته في تطوان شيئا غير جديد الإصدارات الروائية المغربية.

بعد أسابيع من النهل من مكتبة شريكي، انتبهت لرواية صغيرة الحجم بدا لي اسم كاتبها مألوفا جدا. ثم تذكرت أننا تشاركنا سنة دراسية أولى في كلية الآداب في مارتيل، قبل أن يذهب كل منا في طريق مختلف.

ذهبت أنا لدراسة الإعلاميات، دون أن ينقص ذلك من شغفي بالاطلاع على جديد الإبداعات الأدبية والتوجهات النقدية، ثم انتقلت إلى إسبانيا وبعدها هولندا، وقد انقطع تواصلي تماما مع زملاء الدراسة إلى أن أمسكت رواية “كافكا في طنجة” لكاتبها الشاب محمد سعيد احجيوج، وعادت كل الذكريات إلى وعيي دفعة واحدة.

تحكي الرواية عن جواد الإدريسي الذي يجمع بين وظيفة التعليم ومهنة بيع الخضر. تخلى جواد عن دراسته الجامعية وطموحاته الشخصية الخاصة، واشتغل ليعيل أمه وأخته بعد أن اعتزل والده العمل في الحانة وتفرغ للاستغفار.

لكن بعد سنوات من الإخلاص المستسلم للواجب الأسري، وبعد أن تعود جواد ونسي أحلامه الشخصية، جاءت الصدمة المباغتة واستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد تحول إلى مسخ شيطاني بقوى سحرية لن يعرف عنها شيئا وهو يستيقظ كل صباح لا يتذكر شيئا مما حدث الليلة السابقة.

صار جواد يفقد نفسه بعد أن فقد وظيفته وفقدت أسرته معيلها. لقد صار الآن هو ذاته عالة على أسرته، ولم يعد أمامه إلا أن يضحي بنفسه ويقدم حياته خلاصا لمعاناة الأسرة ولأسرارها الدفينة التي برزت إلى السطح.

اختار الكاتب أن يحاكي رواية عالمية شهيرة، هي رواية “التحول” لفرانز كافكا، لتمرير رسائله التي تنثر الملح في جراح المجتمعات العربية، والمجتمع المغربي خاصة، كما استخدم حبكة الرواية العالمية ليبني عليها رواية معاصرة لشاب مغربي يستيقظ ذات صباح ويجد نفسه، مثل بطل رواية كافكا، تحول إلى مسخ. لا يخجل الكاتب ولا يتردد من وضع أصابعه العشرة في الجرح ويدخلها عميقا ليكشف تحولات المجتمع المغربي بأسلوب عذب وسلس مع سخرية مبطنة مما يقع في المجتمع الموبوء بعجيب تناقضاته وتضارب قيمه، المكشوف منها والمستور.

استعان الكاتب في روايته الأولى بخبرة الكاتب المحترف، تقنيات سردية متنوعة، منها تقنية الاسترجاع (فلاش باك) لعرض حكاية الأب في مسار يوازي حكاية الابن، تقنية الاستباق (فلاش فوروارد) ليأتي بأحداث مستقبلية خارج الخط الزمني الأصلي، تقنية تعدد الرواة من خلال سرد يوميات الأخت بصوتها الخاص لتمثل سردا للأحداث من زاوية نظر مختلفة عن الراوي الرئيسي، تقنية التناص، أو التعالق مع النصوص الأخرى، وذلك بصيغ مختلفة، سواء بالإشارات المضمنة في المتن إلى نصوص روائية عالمية أو بتسمية كل فصل بعنوان رواية شهيرة.

من التقنيات الجميلة أيضا الاعتماد على راو غير بشري، بمثابة كينونة تمثل مصدر كل الحكايات. نقرأ مثلا من الصفحتين 7 و8:

“تسألون مـن أنا؟ يـا لفضـول عقلكـم البـشري المحـدود الـذي لـن يسـتطيع اسـتيعاب كينونتـي الشاسـعة. يكفـي أن تعلمــوا بأنني حملــت أسماء كثــيرة علــى امتــداد تاريخكــم الإنســاني. منهــا الشــاعر الضريــر، شكسبير، الحكواتي… وربمــا أشهرها لديكــم هــو شـهـرزاد. وتسألون الآن أين تـدور هـذه الأحـداث؟ يـا لفضولكـم اللامحــدود. هــل هــذا مهــم حقــا؟ فليكــن المــكان هــو مدينـة طنجـة. لكـن بالتأكيد ليسـت مدينـة طنجـة التـي تعرفـون. هـذه طنجـة أخرى تشـبهها. طنجـة موازيـة لمـا تعدونــه العــالم الواقعــي. إلا أن هــذا التــوازي لا يعنــي أنها خياليـة. لنتفـق مـن البدايـة على أن ثنائية الواقـع والخيــال نســبية تمامــا”.

أسلوب الكاتب جميل ولغته رشيقة، والحكاية مشوقة تمسك بك ولا تتركك إلا بعد أن تكمل قراءة الرواية. أنا قرأت الرواية في جلسة واحدة استغرقت ساعتين، وبقيت مشغولا بأحداثها وأفكارها. حين استيقظت من النوم في الصباح التالي وجدتني ما أزال مسكونا بسحر الرواية، فأعدت قراءتها من جديد.

نقرأ من الفصل الأخير من الرواية:

“هل مات حقا؟ هل يمكن أن يكون الكمد قد أوقف قلبه أم تراه انتحر عمدا؟ لن أستغرب لو أن الوالد العزيز قام بالحركة الأخيرة بعد الفضيحة التي سببها لنا مع ضيفنا الفرنسي وأجهز عليه. لكن هل يهم هذا حقا؟ كلا. لا. لا يهم”.

حسب السيرة الذاتية المسطرة في الموقع الشخصي للكاتب، فإنه يستعد حاليا لصدور روايته الجديدة “أحجية إدمون عمران المالح” التي ستصدر في بيروت عن دار نوفل/هاشيت أنطون.

تعتبر “كافكا في طنجة” روايته الأولى بعد مجموعتين قصصيتين هما “أشياء تحدث” و”انتحار مرجأ”. كما أن مخطوط روايته الأخرى “ليل طنجة” فاز بجائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة.

من جريغور سامسا إلى جواد الإدريسي.. لعنة كافكا تحل على طنجة

(البيان الصحفي. ديسمبر 2019)

صدر عن دار تبارك للنشر والتوزيع، في القاهرة، رواية “كافكا في طنجة” للروائي محمد سعيد احجيوج.

يستلهم الكاتب رواية فرانز كافكا الشهيرة “التحول” ليبني عليها رواية معاصرة لشاب يستيقظ ذات صباح ويجد نفسه، مثل بطل رواية كافكا، تحول إلى مسخ. بلغة أنيقة رشيقة وسرد ينساب كأنه معزوفة موسيقية تمكن الكاتب من محاكاة قصة كافكا ليقدم لنا رواية قصيرة مكثفة بالغة التشويق لن يمل منها القارئ، ورواية غنية بأحداث متنوعة ومتفرعة تأخذ القارئ منذ السطر الأول وحتى الأخير وتُدخله في لعبة القراءة والتأويل لرواية لاذعة لا تخلو من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة مما يقع في المجتمعات العربية من نفاق وتناقضات.

تحكي الرواية عن جواد الإدريسي الذي يشتغل معلما في الفترة الصباحية، وبائع خضروات في المساء. تخلى جواد عن دراسته الجامعية وطموحه الشخصي واشتغل ليعيل أمه وأخته بعد أن اعتزل والده العمل واقتعد سجادة الصلاة. لكن بعد سنوات من الإخلاص المستسلم للواجب الأسري، وبعد أن تعود جواد ونسي أحلامه الشخصية، جاءت الصدمة المباغتة واستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد انمسخ. تحول إلى مسخ شيطاني بقوى سحرية لن يعرف عنها جواد شيئا وهو يستيقظ كل صباح لا يتذكر شيئا مما حدث الليلة السابقة. يفقد جواد نفسه ويفقد وظيفته وتفقد أسرته معيلها، وصار هو نفسه عالة على أسرته. يوم أصبح جواد خيار أسرته الوحيد ضحى بأحلامه ودراسته ليكون العائل، وحين أمسى عالةً على الأسرة لم يعد أمامه إلا أن يضحي بنفسه ويقدم حياته خلاصا لمعاناة الأسرة ولأسرارها الدفينة التي تدفقت إلى السطح.

غلاف رواية كافكا في طنجة
(غلاف رواية كافكا في طنجة. الطبعة الأولى، ديسمبر 2019. دار تبارك، القاهرة.)

يذكر أن الكاتب محمد سعيد احجيوج ولد في مدينة طنجة المغربية في الأول من أبريل 1982. “كافكا في طنجة” هي روايته الأولى بعد غياب عن الساحة الأدبية تواصل لأكثر من عشر سنوات، وقد حصل مخطوط روايته التالية، “ليل طنجة”، على جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة، وينتظر أن تصدر له قريبا رواية “أحجية إدمون عمران المالح” عن دار نوفل/هاشيت أنطون، في بيروت.

ليل طنجة تحصل على جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة

(البيان الصحفي. 28 نوفمبر، 2019)

أعلنت دار العين للنشر، ضمن فعاليات معرض الكويت الدولي للكتاب 2019، عن نتيجة الدورة الأولى من جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة، وقد توج الكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج بالجائزة الأولى عن روايته “ليل طنجة”.

جائزة إسماعيل فهد إسماعيل

جاءت الرواية في فقرة واحدة مسترسلة تنقل لنا تيار الوعي المتدفق في عقل البطل، أو بالأحرى نقيض البطل، فنجد أنفسنا منذ أول جملة نصارع أمواج بحر الهلوسات الهائج والذكريات المتداخل بعضها مع بعض. يتشابك الوهم والواقع في نسيج واحد لا يمكن فصله، ويتعذر علينا أن نعرف بسهولة إذا ما كانت الأحداث حقيقية أم وهما في رأس الشخصية المضطربة أم خيالا يكتبه الراوي نفسه وهو يصارع النسيان لكتابة رواية.

حملت الجائزة اسم المبدع الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، وقد جاءت مبادرةً من الدكتورة فاطمة البودي، مؤسِسة دار العين للنشر، لتكريم الروائي الكويتي من جهة، ومن جهة أخرى لتكريم المبدعين الشباب تماشيا مع الأهداف التي عاش من أجلها رائد الرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل.

جاءت في حيثيات الفوز، حسب تصريح لجنة التحكيم التي ضمت الدكتورة إقبال العثيمين (الكويت) رئيسا، وعضوية كل من إبراهيم فرغلى (مصر)، أنيس الرافعى (المغرب)، د. أيمن بكر (مصر)، يوسف المحيميد (السعودية):

[ليل طنجة] رواية تقدم أسلوبا روائيا يمزج الدراما بالسخرية، والتاريخ بالراهن المعاصر، في أجواء لا تخلو من كابوسية، ويقترح أدوات سردية جديدة [تعتمد] الميتافيكشن أسلوبا يمتلك الكاتب أدواته ويوجهها بين الواقع والخيال ببراعة. وتلقي الضوء على مشكلات المواطن العربي المعاصر ومأزقه الوجودي في عالم يشهد تغييرات عاصفة.

ليل طنجة رواية قصيرة محكمة البناء ومكثفة يأخذنا الكاتب من خلالها في رحلة عبر مواضيع مختلفة لا تبدأ بالصراع العربي الإسرائيلي ولا تنتهي بمعركة أنوال في الشمال المغربي وقصة الأسلحة الكيماوية التي استخدمتها إسبانيا، تحت صمت دولي، للقضاء على مقاومة المتطوعين في جيش عبد الكريم الخطابي الذي كسر شوكة الاستعمار الإسباني.

تتعدد ثيمات الرواية وتتنوع، رغم قصرها، ويتركز الصراع الداخلي للبطل حول الحبيبة التي تخلت عنه وتجربتهما الجنسية المنفلتة من القيود. أما الحبكة فتتمحور حول رحلته الليلية بحثا عن بديل جنسي. الوصول إلى النهاية يعيدنا إلى بداية الرواية، بأسئلة جديدة ورؤية مختلفة لقراءة ثانية محملة باحتمالات، قد لا يكون أي منها صحيحا وقد تكون جميعها صحيحة، عن كون البطل راويا غير موثوق. راويا مدمنا على عقارات الهلوسة. راويا فاقد الرشد من صدمة وفاة الأم. راويا تائها في الخيالات الروائية التي يكتب.