التصنيفات
مسودات

مسيرة الكتابة ومنعطفات الحياة

كنت في الرابعة عشر من عمري حين كتبت أول قصة قصيرة. إن لم تخني الذاكرة وما أسهل أن تخون الذاكرة فتلك مهمتها المقدسة. في الحقيقة لم أؤلف أي قصة آنذاك بل كنت أكتفي بنسخ قصص الآخرين بمنتهى براءة الطفولة التي لم تكن تعرف شيئا عن حقوق التأليف. لا أتذكر أني نسبت لنفسي عملا ليس لي. كنت أنقل القصص من مساهمات القراء في الصحف والمجلات وأعيد كتابتها على شكل مطويات بمثابة كتيب جيب أقدمه رفقة مجلة الحائط التي كنت أحررها بالكامل في المكتبة المدرسية لإعدادية خليج طنجة. لم أكن أضع اسمي، لكن يبدو أن الآخرين كانوا يفترضون أنني كاتبها. ذات يوم سألتني القيمة على المكتبة إن كنت مؤلف تلكم القصص. أجبت خائفا من تهمة مبطنة في السؤال نافيا أنها لي. أتذكر أنني قلت بصوت مرتجف، “كلا، تلك ملخصات لقصص قرأتها.”

كانت سنواتي الثلاث في الإعدادية هي أفضل سنواتي الدراسية على الإطلاق. كنت أحد القلة الذين تأخروا في الذهاب إلى المكتبة. لم أكن أعلم شيئا عن وجود مكتبة في المدرسة حتى تكرر طلب القيمة لنا للقدوم لاستلام بطاقة المنخرط. ذهبت، رفقة باقي المتلكئين، بحكم التزام التلميذ لطلبات معلمه ليس إلا وكانت الجلسة الأولى مع السيدة خديجة التازي، قيمة المكتبة، مملة جدا. كانت تشرح لنا نظام استعارة الكتب من المكتبة وحديث من قبيل ذلك تبخر لا شك فور اكتمال اهتزاز طبلة الأذن بموجاته الصوتية. في الختام أرتنا مجلة مخطوطة، مطورة عن نظام مجلات الحائط، جهزها بعض تلاميذ السنة الثالثة (السنة التاسعة كما كانت تسمى آنذاك). هنا اعتدلت في جلستي. صار الأمر مثيرا ومشوقا. يمكنني القيام بمثل ذلك وربما أفضل. التهمت الصفحات بنظراتي الفضولية ثم خلال يوم الأحد التالي اعتكفت في البيت وسودت عشرات الصفحات مصمما مجلة متكاملة سلمتها في الغد إلى المكتبة ولم تصدق القيمة عدد الصفحات ودقة التصميم. طبعا كل المحتوى كان منقولا (مسابقات، معلومات، نكات.. لم أكن مؤلفا بقدر ما كنت محررا). بعد ذلك اليوم صرت مقيما في المكتبة المدرسية في كل أوقات الفراغ. سودت عشرات الأعداد من المجلة وساهمت بمحتوى أصلي (غالبا مقالات وأحيانا ألعاب مثل الكلمات المتقاطعة) في مجلات المدرسة التي انطلقت لاحقا وأسست أو شاركت في تأسيس عدد من المشاريع داخل المكتبة. أبرزها كانت مشروع المكتبة المصغرة. مكتبة داخل مكتبة. مكتبة صغيرة تتكون من تبرعات التلاميذ من الكتب وكنت مشرفا على نظام الإعارة فيها، رفقة صديقي نجيب سهيل، الذي كان هو صاحب الفكرة. مكتبة للكتب المستعملة لم تكن خاضعة لتعقيدات المكتبة المدرسية. تلك المكتبة المصغرة أتاحت لي الفرصة لتعلم نظام الديوي العشري لتنظيم الكتب في المكتبات وبعدها صرت أساعد السيدة خديجة في إدارة المكتبة المدرسية ذاتها. المشروعين الآخرين الأبرز كان نادي الشطرنج الذي بفضله تعلم كل رواد المكتبة الدائمين لعبة الشطرنج، ومشروع الكمبيوتر العجيب وهو هيكل كمبيوتر ورقي يُدخل فيه رواد المكتبة، عبر منفذ القرص المرن، وريقات تحمل أسئلتهم وكنت رفقة شريكي في المشروع نبحث في تلك المواضيع ونقدم الأجوبة. كأننا كنا بمثابة محرك بحث جوجل بدائي في وقت لم نكن قد سمعنا فيه بالإنترنت بعد. تلك السنوات الثلاث كانت الأروع في حياتي المدرسية. أما المدرسة الثانوية فقد كانت كأنها غابة جرداء. لا مكتبة مدرسية ولا فرصة لأي أنشطة جانبية. فقط حصص دراسية مطولة وواجبات منزلية لا تنتهي. لحسن حظي أن بذرة القراءة والكتابة كانت قد ترسخت في تربتي خلال سنوات المدرسة الإعدادية، بفضل القيمة على المكتبة السيدة خديجة التازي وبفضل أستاذ العربية المثابر عبد السلام المرابط، وحماس ونشاط أستاذ الفرنسية رشيد إلمير.

أو ربما البذرة زرعت قبل ذلك. أتذكر مشهدا ضبابيا في ليلة باردة ولم أكن قد بلغت السادسة من عمري. كنت عائدا مع والدي من زيارة عائلية حين لفتت نظري رسوم جميلة بين كومة كتب تباع على الرصيف. لا أتذكر كيف تم الأمر، كل ما أتذكره أنني جالس في البيت أستمتع بصفحات كتاب كوميكس، لعله كان أحد مغامرات طرزان أو كونان البربري. لم يكن الكتاب بالعربية وكنت أكتفي بتصفح الصور. لا شك أن والدي، الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ندم على ذلك اليوم بعد أن صار لاحقا يتذمر من الكتب المكدسة التي يضيق بها البيت الضيق أصلا. على امتداد السنوات العشرين التالية اضطررت للتخلي عن الجزء الأكبر من مكتبتي أربع مرات، بيعا أو إهداء، وما تزال غصة ذلك الفقد في حلقي حتى اليوم.

لا أتذكر تحديدا كيف جاءت فكرة الكتابة. لم أفكر يوما في ذلك. لكن لا يمكن فصل الكتابة عن القراءة أبدا. الكتابة بكل تأكيد نتاج طبيعي لفعل القراءة. ما أتذكره أنه خلال سنوات الطفولة حين كان الأطفال يحلمون بمهنة الطيار أو المهندس، كنت أسر لنفسي أنني سأكون رئيس تحرير مجلة أطفال، ثم في فترة المراهقة كنت أحلم بتأسيس وكالة أنباء.

أتذكر أيضا مشهدا من ختام السنة الدراسية في الحضانة (أعتقد أنهم ما عادوا يطلقون تسمية حضانة على سنوات الدراسة التي تسبق المدرسة الابتدائية.) وكان عمري يقترب من السابعة. السن الأدنى آنذاك لدخول المدرسة الابتدائية كان هو سبع سنوات. لكن كان يتم وقف الحساب إلى حدود مواليد ما قبل 31 مارس. أنا ولدت يوم 1 أبريل، وبسبب فارق اليوم ذاك ذهب أغلب أصدقائي في الحضانة إلى المدرسة الابتدائية وبقيت أنا سنة أخرى (كأنني لم أكن موجودا، كأنني الآخر مجرد كذبة أبريل). بكيت كثيرا يوم عرفت ذلك، وليواسيني أحد الأصدقاء، الذي يكبرني ببضعة أيام وسيسبقني بسنة دراسية كاملة، أحضر لي مجموعة كتب لأخيه، كانت كلها قصصا مصورة (كوميكس) بالفرنسية. طبعا لا أتذكر ماذا كان شعوري تحديدا يومذاك، لكن يمكنني القول بأن عيني برقت، مسحت أنفي بظهر يدي، قبضت على الكنز، وقررت أن اليوم مناسب للاستمتاع بهذه الكتب ويمكن أن أترك البكاء ليوم آخر.

تعزز فعل القراءة أكثر في سنتي الثانية في المدرسة الابتدائية. طلب منا المعلم في بداية السنة ثلاثة دراهم لتكوين مكتبة الفصل. اشترى مجموعة من القصص، أفترض أن ثمنها درهمين، وكان يقدمها لنا بنظام التأجير. نهاية كل أسبوع يقدم قصة لكل منا، ندفع مقابل كرائها درهما واحدا. غالبا كنت أقرأ القصة قبل اكتمال الحصة وأعيدها وأكتري قصة أخرى. استفدت كثيرا من تلك المكتبة التي كان يديرها المعلم في الفصل المدرسي لأغراض تجارية محضة.

بعد ذلك سار القطار في مساره. كنت أشتري كل ما تقدر عليه دراهمي القليلة. لاحقا، حين كنت أدرس في معهد للكمبيوتر في أوقات خارج دوام المدرسة الثانوية، كنت أوفر ثمن المواصلات لشراء المجلات والكتب وكنت أستمتع بقطع المسافة الطويلة بين البيت والمعهد جريا. سواء كانت الحصة صباحا أم ليلا.

على عكس زملاء الفصل، في السنة الثالثة من المدرسة الثانوية، الذين انطلقوا لكتابة الشعر متأثرين بشعر نزار قباني ومدفوعين بفوران الهرمونات، وجدتني في المكتبة العامة (المكتبة البلدية) أتنقل بين دواوين أدونيس وفصول من الثابت والمتحول. لا أعتقد أنني كنت أفهم الكثير، لكن وجدتني متحمسا لكتابة الشعر وقد كنت أحسبني أكتب شعرا حرا متميزا على غرار الشعر الحديث لبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وقد فزت لاحقا بثلاث جوائز شعرية، لكن وجدت أن ما أكتبه بالكاد يمكن أن يندرج ضمن قصيدة النثر، والجميع يمكنهم كتابة قصيدة النثر.

محاولتي الجادة الأولى في كتابة القصة كانت خلال امتحان التعبير والانشاء في حصة العربية. المطلوب على ما أتذكر كان وصف حفل زفاف لم يكتمل. لكني لم أتوقف عند حد الوصف وكتبت قصة عن عرس في قرية فلسطينية يخترقه مستوطن يهودي.

لم أجد نفسي في الجامعة، وغادرتها خلال سنتي الأولى. كنت قد راكمت آنذاك بضع قصص قصيرة نشرتها لاحقا في كتاب “أشياء تحدث”، طبعا على نفقتي. كنت أشتغل مدرسا في معهد الكمبيوتر نفسه الذي تعلمت فيه. لو شئنا الدقة هو نادي تابع لدار الشباب التابعة لوزارة الرياضة والشباب (لا أعرف ماذا تسمى هذه الوزارة الآن، فأسماء الوزارات تتغير بتغير القطاعات المهداة لكل حزب.) بقيت هناك مدرسا بدوام جزئي طيلة عشر سنوات. منحت لي تلك الوظيفة دخلا معقولا سمح لي بالاستمتاع باقتناء الكتب، وقراءتها، ثم لاحقا المشاركة في تأسيس مجلة طنجة الأدبية التي صارت تلتهم ذلك المرتب كاملا قبل أن نقرر عبث التجربة ونوقفها. كانت التجربة متعبة لكنها بكل تأكيد ممتعة ومفيدة.

سمحت لي تجربة المجلة الاندماج في الوسط الثقافي في مدينة طنجة، وأنا بطبعي شخص إنعزالي. تعرفت على أفراد مميزين استمرت علاقتي بهم طويلا، لكن اجمالا لا يمكن وصف الوسط الثقافي، سواء في المدينة أو في كامل المغرب، إلا بالوسط المريض. النفاق والحسد والغيرة… ونقص الابداع. ربما كان هذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني للابتعاد عن الوسط الثقافي والتقليل من الكتابة الإبداعية. أو ربما هو فيروس “ريادة الأعمال” أصابني، وقبله فيروس “التدوين والإعلام الاجتماعي” فانشغلت لسنوات في مشاريع إنترنت صغيرة هدفها إثراء المحتوى العربي على الإنترنت. تحديدا خلال السنوات ما بين 2008 و2011.

لم أنقطع عن القراءة الأدبية خلال تلك السنوات، رغم أن تركيزي الأكبر كان على كتب برمجة الكمبيوتر وريادة الأعمال. اشتغلت بعض الوقت كاتبا حرا (فريلانسر) في بعض المدونات كما كتبت مقالات لمجلة عربية ووكالة الأنباء الألمانية. ثم جاءت فورة الجوائز العربية في مجال الرواية وبدأت العادات القرائية تتغير ووجدت نفسي أنفر من ذلك. سنة 2012 جاءني عرض عمل مميز، بدأته مبرمجا وأكملته مديرا تنفيذيا للعمليات. كانت ثلاث سنوات من العمل الشاق، والممتع. قراءتي في الأدب كانت محدودة جدا، لكن الهاجس كان يزورني بين وقت وآخر للكتابة. حتى أني بدأت ذات لحظة حماس محاولة كتابة رواية، كتبت منها بضع صفحات ثم تركتها.

بعد أن تركت تلك الوظيفة في أواخر سنة 2015، ولم يكن خروجي سهلا وسلسا، مرت عليّ فترة من الإحباط اقتربت من العام، لم أخرج منها إلا بفضل الكتابة. كتبت أولا كتابا صغيرا، نشرته إلكترونيا باسم (محمد الساحلي) وعنوانه “لا تكن كبشا”. هو عن نهاية الأمان الوظيفي والآمال المفتوحة لريادة الأعمال في كامل جوانب حياتنا. ثم أتبعته بمحاولة روائية متواضعة غير صالحة للنشر كان عنوانها “ضوء القمر” (فازت بالمرتبة الثالثة في إحدى المسابقات)، وهي في الحقيقة ليست رواية بقدر ما إنها إعادة ربط لقصص قصيرة كتبتها قبل ذلك بسنوات. بقيت بعد ذلك سنة أخرى أتخبط لا أعرف ماذا سأفعل حقا، إلى أن بزغت في رأسي فكرة روايتي “العزيف” فجلست أكتبها خلال يومين، ثم توقفت أسبوعا وعدت أكملها خلال يومين آخرين. لاحقا بعد بعض التحرير صدرت الرواية بعنوان “كافكا في طنجة”، وما زال يسكنني الندم على تسرعي بنشرها.

بكل تأكيد الكتابة ليست مصدرا للدخل يمكن الاعتماد عليه، ولذلك لم يكن من السهل التفرغ للكتابة. لم أتفرغ للكتابة ولا يبدو أن التفرغ سيتحقق قريبا، لكن على الأقل الهدف الآن واضح أمامي، ولا أنوي التوقف عن الكتابة مجددا.

التصنيفات
مسودات

نعيمة البزاز (قصة قصيرة)

تتلألأ الأضواء وتنعكس على مياه النيل كما تنعكس على مقلتيك الدامعتين. متكئة كنت على إطار النافذة في ذلك الفندق الفخم، وسط القاهرة، الشاهد على فيض الحياة المتدفقة من جريان النيل. كنت تبكين بصمت. لم تتعودِ على هذا الضعف من قبل. كان عليك أن تصرخي، لكن الدهشة ألجمت فمك. ندمت على قبول الدعوة. لا فرق بين القاهرة وأمستردام. كل المدن سواء. جميعهم يعتبرون المرأة عورة. وجهها عورة، صوتها عورة، وحتى اسمها. اسمها عورة.

تشهقين مقاومة البكاء الصامت أن يتحول نواحا صاخبا. كم كنت فرحة يوم تلقيت الدعوة. معرض القاهرة للكتاب. ندوة صحفية للإعلان عن روايتك الأولى التي تُنقل إلى العربية. كانت سعادتك لا توصف أن تصدر قريبا إحدى رواياتك مترجمة إلى لغتك الأم. كم تمنيت لو تستطيعين الكتابة بالعربية. لكنك لا تعرفين إلا الهولندية، وقليلا من العامية المغربية.

جلست منتشية قبالة جمهور الصحفيين والكتاب الذين استدعاهم الناشر ليعلن عن توقيعه عقد ترجمة روايتك. ليعلن عن موهبة عربية أينعت في الأراضي المنخفضة. كنت سعيدة كما طفلة بأول دمية. انتظرت ناشرك أن يقدمك للصحفيين. بسمل وسعل. بسمل وحوقل. بدأ الناشر باسمك. “نعيمة أحمد،” قال. التفت إليه مندهشة. أحمد اسم أبيك، واسمك في المغرب كما في هولندا هو اسمك الشخصي وبعده لقب العائلة. البزاز. مرت لحظة الدهشة بسرعة وانتبهت. تذكرت مداعبة صديقة خليجية أخبرتك أن اسمك يعني في لهجتهم، ما تعنيه الكلمة المغربية “بزازل”. أثداء. أردت أن ترفعي يدك وتخرسي الناشر. أردت الوقوف والصراخ في وجه الحضور، “نعيمة أحمد ليس اسمي. اسمي نعيمة البزاز. أعرف أن الكلمة في لهجتكم تعني الثدي. هذا لا يعنيني. إنه اسمي وأنا فخورة به.” لكن خوفا مباغتا، لا تدرين من أين أتى، ألجمك. لم تستطيعِ الكلام. خرست تماما. اختنقت من الداخل.

الآن، من نافذة فندقك، تطلين على النيل وتحاولين منع دموعك من الانهمار. لم تكوني يوما مستسلمة. منذ وصولك رفقة أبيك إلى هولندا، وعمرك أربع سنوات، وأنت تقاومين بشراسة. ماذا حدث لك اليوم؟

طرقات على باب غرفتك. مشيت ببطء ونظرت من العين السحرية. إنه ناشرك. لعله جاء يعتذر. لاحظ أنك لم تكوني على سجيتك خلال الندوة الصحفية. سألك عن السبب ورفضت الإفصاح. جبن إضافي سكنك وأدهشك. لعله فهم الأمر وجاء يعتذر. نفضت الدمعتين من مقلتيك وعدلت هندامك. فتحت الباب وجاهدت لرسم البسمة على وجهك. ابتسم هو الآخر وتقدم داخلا دون دعوة، وهو يحمل كيسين.

“رأيتك متعبة،” قال ناشرك وهو يضع الكيسين على المنضدة الصغيرة. “كنت أفكر بدعوتك لعشاء للاحتفال بتوقيع العقد، لكن فكرت أن المجيء إلى هنا أفضل. لا أريد أن أتعبك.”

لا تصدقين طبعا. إنك تشمين بسهولة رائحة أفكاره النتنة. اللعنة.

“أنا متفائل جدا بنجاح روايتك عند القارئ العربي. ستكون بداية جيدة وسنعمل على ترجمة رواياتك الأخرى، واحدة كل سنة.”

ترين أن كلامه في واد وعينيه في واد آخر. تبدو كلماته دون معنى وعينيه تتجولان على جسدك صعودا ونزولا.

جلست على طرف السرير بعد أن جلس هو على الكرسي الوحيد الذي في الغرفة. أخرج علبة طعام من الكيس الأول وانبعثت رائحة القمرون. أخرج من الكيس الآخر قنينة نبيذ وكأسين زجاجيتين.

وضع يده على ركبتك. انتفضت.

“ستكون شراكتنا مثمرة، بإذن الله.” قال.

“إن شاء الله،” تمتمت بصوت غير مسموع.

إن شاء الله! كانت آخر عبارة قالها والدك أمس، ولم يرد على أي من مكالماتك طيلة هذا اليوم. “اعتني بنفسك بابا.” قلت له أمس قبل أن تنامي، ورد عليك برده المغربي الأثير. الجملة التي يمكن أن تقال في أي مناسبة، ودائما لا تعني شيئا. إن شاء الله. كم تكرهين أن تلقى العبارة في وجهك دون وجه حق. تكرهين التواكل الذي تحمله العبارة، وتمقتين أكثر التهرب من الوعود المستقبلية الذي يضمره في نفسه كل من يتلفظ بالعبارة مختبئا خلف مشيئة الله. خلف المبرر الذي يعرف أن لا أحد سيجرؤ على الوقوف أمامه صراحة.

حاولت الاتصال بأبيك طيلة النهار ولكن لا رد. لا شيء خطير على الأرجح. كثيرا ما يترك هاتفه في البيت حين يقرر الاستمتاع بخضرة الضواحي بعيدا عن صخب أمستردام، ثم يعرج في طريق عودته على أصدقائه المغاربة. المحاربون القدماء كما يسميهم. السواعد التي حملت قطع الآجر وأكياس الإسمنت لترفع المباني الهولندية. لكنك صرت تخافين هذا الصمت مذ توفي جدك قبل عام، في طنجة. كان يقيم مع خالتك، ابنته البكر، بعد أن عاد من هولندا إيان تقاعده. ترك هو الآخر هاتفه في البيت وخرج صباحا إلى السوق. جاء الظهر ولم يعد. تلك لم تكن عادته. جاء العصر وجاء المغرب ولم يجئ هو. تحول القلق إلى صخرة ثقيلة على قلوب خالتك وأبنائها. خرج الجميع بحثا عنه، وليلا جاء الخبر. جثة جدك في مستشفى محمد الخامس. جاءت التفاصيل لاحقا. كان جدك ينزل من سيارة الأجرة حين داهمته أزمة قلبية وسقط أرضا في الشارع. جاءت سيارة الإسعاف بعد قرن، وحين وضع جدك على سرير المستشفى كان البريق في عينيه قد انطفأ إلى الأبد. قال الأطباء أنه وصلهم متأخرا. لكن الحقيقة ما عادت تخفى عنك. كل من يصل المستشفى في طنجة يصلها متأخرا. إن لم تتأخر سيارة الإسعاف سيتأخر المريض خارج باب المستشفى خلف طابور طويل تصطف فيه كل أنواع البؤس، أو على أرضيةٍ في الرواق ينتظر سريرا أن يفرغ أو طبيبا أن يشغر.

جاءك ذاك الخبر فصرت تخافين على والدك. يتوقف قلبك كلما اكتشفت هاتفه مرميا على الأريكة وهو خارج البيت. تتذمرين وتفصحين له عن خوفك، ويتذمر هو ويفصح لك أن لن يصير في آخر أيامه عبدا للهاتف. تجلسين بالساعات تقضمين أضافرك تنتظرين الباب أن يفتح ويدخل والدك أو أن يرن هاتفك عن تلك المكالمة المشؤومة. تطمئنين نفسك قليلا أنك في هولندا. لو تعرض والدك لوعكة صحية في الشارع فسيلقى فورا الرعاية التي يحتاجها. لا خوف عليه من الإهمال هناك. لكن هيمنة القلق أكبر دائما، كما هي اليوم في هذا الفندق وسط القاهرة.

الوقت ليل الآن في أمستردام. تلتفتين إلى هاتفك على مخدة الفراش. يفترض أن والدك وصل البيت ورأى محاولاتك للاتصال به. ليس من عادته التأخر خارج البيت حتى هذه الساعة. لم يفعلها من قبل. القلق ينهشك ونظرات الشهوة في عيني الناشر تثير أحماض معدتك. تقومين واقفة. يدفعك خوفك على أبيك إلى استعادة بعض شجاعتك. “معذرة،” تقولين. “لا أشعر أني بخير. أيضا أنتظر مكالمة من أبي خلال دقائق. لنؤجل الاحتفال إلى وقت آخر.” ليس هذا بالضبط ما أردت قوله، لكنه أفضل من لا شيء.

قام ضيفك غير المدعو ورأيت الانتفاخ أسفل بطنه. اللعنة. أغمضت عينيك مشمئزة. أردت البكاء. أمسك معصميك.

“خيرا. فضفضي لي ما يثقل عليك. يمكنني مساعدتك.”

رائحة فمه تزكم أنفك. تسحبين يديك. تصرخين دون نية مسبقة بالصراخ. “ابتعد عني.”

كانت غلطة أن تثيري ذعر الحيوان. أثرت ذعره وأيضا شهوته. رأيت شبح دهشة مر سريعا على عينيه. ثم رأيت كفه الثقيلة تصفع خدك. سقطت على الفراش. ألجمتك المفاجأة. كيف يجرؤ. يمكنك الصراخ وسيكون كل نزلاء الفندق هنا خلال دقائق. كيف يجرؤ. لكنك تأخرت. قفز عليك. ضغط بيسراه على فمك وأنفك وجلس بثقله على بطنك فضغطت أحشاؤك على رئتك. ظهر شيء من الرعب على وجهه. “أرجوك أصمتي. لا أريد أذيتك.” لا. لن تصمتي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. تقفلين على ذاكرتك. ليس هذا وقت استدعاء الماضي. ركزي على المقاومة. ركبتيك حرتين اضربي بهما ظهره. يديك حرتين اخمشي بهما وجهه وسددي أصابعك نحو عينيه. لا فائدة. قوتك تخور. رئتك تجاهد لسحب الهواء لكن الحيوان جالس عليك ويسد فمك وأنفك. تمسكين يده بكلتا يديك. تدفعين. تخمشين. يضغط أكثر. قوتك تخور. لا. لن تستسلمي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. لا تستسلمي لشلال ذكرياتك. لا تهربي إلى مستنقع الماضي. تنتفضين. تحركين رأسك يمينا وشمالا وتواصلين خمش اليد المشعرة التي ما تزال تضغط على فمك وتسد أنفك. لا هواء يدخل رئتك. تتراكم الدموع في عينيك. تغيم الرؤية. “تبا لك. عاهرة. تسلمين نفسك للأجانب وأمامي تتمنعين. نحن عرب مثلك. مسلمون مثلك. نحن أولى بك.” هذا ما قاله تماما إمام الجامع الذي كان يدرس لك العربية ويحفظك القرآن في بيتكم. أنت مغربية وهو مغربي وهو أولى بك. قال. كنت في السادسة عشر من عمرك حين قال إنه لن يؤذيك. هو فقط سيعلمك ما يفيدك حين تتزوجين. كنت في السادسة عشر من عمرك وكان هو في الأربعين أو أكثر قليلا. ليس معتادا أن تكوني في البيت وحدك. دائما يكون والدك هناك في تلك الساعة. لكن طارئا ما أخره. جاء الفقيه المعلم في موعده الثابت منذ سبعة أشهر. لم تجد حرجا في إدخاله. ماتت أمك قبل أن تصلي السن المناسبة لتفهمي تحذيراتها من الرجال. بدأت الحصة كما المعتاد، وحين اطمأن الفقيه ألا أحد في البيت غيركما أخذ كفك بين يديه، وقال “أنت مغربية وأنا مغربي. ابن بلدك أولى بك من الشباب الهولندي الفاسق.” احتفظ بيدك في يسراه ووضع يمناه يربت على فخذك. “لن أؤذيك. أنت كبيرة بما يكفي ليستمتع كلانا، وسأعلمك ما يفيدك في زواجك.” سحبت يدك ودفعتيه. صرخت أن يبتعد عنك. تعثر من دفعتك وسقط. احمر وجهه وجحظت عيناه. قام واقفا كمارد انطلق من قمقمه. هربت قبل أن يصل إليك. جرك من شعر رأسك وأطبق على فمك. أمسكك من وسطك وضغط ظهرك إلى صدره. شعرت بالعود الصلب على عجيزتك. ركلتيه بكعب قدمك على ساقه لكنك تألمت أكثر منه. رفع فستانك بيمناه ويسراه ما تزال تضغط على فمك. أرخى سرواله وأنت ما زلت تحاولين ركله ورفسه. تمكنت من عض أصابعه. صرخ وأبعد يده. سحبك مجددا من شعرك وأدارك إليه. صفعك أربع صفعات هدتك تماما. انهرت على الأريكة. سقط فوقك. سحب تبانك. لهث فوقك طويلا وهو يجاهد لاختراق لحمك الجاف. تألمت. تشنجت. ثم بعد سنوات وعقود وقرون قام عنك وترك بين ساقيك ماؤه النجس. جاء والدك ووجدك على تلك الحال. جن جنونه. أخذك فورا إلى المستشفى. جاءت الشرطة. لم يكن يعرف بعد الفاعل وكنت أنت في غيبوبة الصدمة. أخبرتيه لاحقا وجن جنونه من جديد. تدخل الجيران المغاربة ليمنعوا أباك من ارتكاب جريمة قتل، ثم تدخلوا مجددا يثنوه عن تقديم الشكوى. أقنعوه أن الشكوى ستحمل لك العار طيلة عمرك. رضخ مضطرا وقبل بعقاب أن يعود الفقيه إلى المغرب. لاحقا، بعد أربعة عشر عاما، ستكتبين روايتك الثالثة، وستخرجين صديد تلك الذكرة كاملة على صفحات الرواية التي ستهوي عليك بغضب رجال الدين المسلمين في هولندا وتهديدات بالقتل واعتداءات ستتواصل على بيتكم وعلى أبيك حتى اضطررتما للرحيل إلى حي آخر لا يسكن فيه إلا الهولنديون. كتبت الرواية لتعالجي جروح الماضي لكنها حفرت على روحك جروحا أخرى. غامت الرؤية أمامك تماما وشعرت بروحك تغادر جسدك بعد أن يئست رئتك من سحب الهواء.

رأيت النفق المظلم الشهير وفي آخره نقطة الضوء. تقدمت بخطوات هادئة وأنت تشعرين لأول مرة بصفاء وراحة بال كبيرين. ظهر لك الشبح أمامك وعرفت بسهولة أنها والدتك. “بنيتي، تعالي. اشتقت إليك.” قال الشبح النوراني بصوت أمك الذي اشتقت إليه. مدت أمك يمناها في اتجاهك فرفعت يدك بدورك نحوها وأسرعت في خطواتك.

“لا تستسلمي يا فتاتي.” جاء الصوت من خلفك صوت أبيك. التفت إليه. “لم يحن أوان رحيلك بعد. عودي إليّ صغيرتي.”

توقفت ونظرت مترددة بين والدتك في نهاية النفق حيث النور البهي ووالدك خلفك في ظلمة النفق. كان الاختيار صعبا. لكنك اخترت البقاء وفتحت عينيك.

وجدت الظلام قد أطبق على الغرفة، إلا من وهج خفيف يصل من الخارج. وجدت نفسك وحيدة في غرفتك. لقد رحل الحيوان. تلمست جسدك المنهك. كنت مفككة الأوصال كجثة مر فوقها قطار. وجدت ملابسك ممزقة عنك. تلمست ما بين ساقيك فوجدت أثار اللزوجة لم تجف بعد. أغمضت عينيك وبكيت. ليس البقاء هو الاختيار الأنسب.  تنظرين إلى النافذة مليا. تلتفتين إلى الأوراق البيضاء على المنضدة المجاورة للسرير. تعودين بنظرك إلى النافذة، ثم إلى الأوراق مجددا. يتوقف جسدك عن النشيج. تقومين إلى الورقة. تضعين سن القلم بقوة. تكتبين. لم يخف الألم أبدا، وكذلك لم ينقص إصرارك. تضعين القلم فوق الورقة وتلتفتين إلى النافذة. تتقدمين ببطء واثق. تسحبين المقعد. تقفين عليه. تفتحين النافذة. تنظرين إلى الأسفلت البعيد. تنظرين إلى الأسفلت الذي يقترب. هبت نسمة هواء عبر النافذة المشرعة وطارت الورقة لتلحق بك، مثقلة بثقل بوحك.

محمد سعيد احجيوج،
طنجة. 14 أغسطس 2020

التصنيفات
مسودات

الموت في ليلهامر

مقطع من إحدى المسودات الكثيرة المتراكمة. قد يكون عنوان الرواية النادل المغربي، وقد يكون غير ذلك. تتطرق الرواية لحدث اغتيال المغربي أحمد البوشيخي في مدينة ليلهامر من طرف فرقة اغتيال إسرائلية خلطت بينه والفلسطيني علي حسن سلامة مخطط عملية ميونيخ التي سقط فيها 11 رياضيا إسرائليا في أولمبياد ميونيخ الصيفي 1972.

رصاصة واحدة تكفي لتقتل إذا أسبغ القاتل النية وأحكم إطلاقها، غير أن الإعدام انتقاما يتطلب أكثر من رصاصة واحدة. تحول المشاعر المتدفقة مع الانتقام دون إحكام التصويب ولا يمكن أن تفي رصاصة واحدة بالغرض. الرغبة بالإذلال المصاحبة للانتقام تتطلب تشويه الجسد وتحويله مصفاة مشوهة الثقوب. رصاصة واحدة لن تكفي لتشفي الغليل، ولا خمسا، ولا عشرا. بل إحدى عشرة رصاصة. إحدى عشرة رصاصة اخترقت سكون الليل في ليلهامر النرويجية في تلك الليلة الماطرة للحادي والعشرين من يوليو 1973، وحولت الجسد المستهدف إلى مصفاة تدفق منها الدم شلالا. بجانب الرجل الذي هوى أرضا وسط بركة دمائه كانت زوجته الحامل في شهرها السابع، وكانا عائدين معا من حفلة سينما شاهدا فيها فيلمين متتابعين. أصر الزوج على مشاهد الفيلم الإسرائيلي الصقور تهاجم فجرا، وأرادت الزوجة أن تشاهد فيلم دخول التنين الذي ختم به بروس لي مسيرته الفنية وعرضته قاعة السينما في حفل خاص كتكريم لبروس لي الذي أُعلنت وفاته في اليوم السابق. شحبت الزوجة تماما وابيض وجهها وانسحبت منه الدماء كأنها لم تكن هناك يوما. انتفض قلبها وصار يدق بجنون كأنه يريد الفرار من قفصها الصدري. كل ما كانت تفكر فيه أنها يجب ألا ترتعب. يجب أن تهدأ. مطلقا النار هربا ولم تكن لهما نية التصويب عليها. يجب أن تهدأ. الوعاء يجب أن يبقى سليما. لا يجب أن يهتز. الجنين يجب أن يعيش. لن تتحمل فقده. أغمضت عينيها عن زوجها المضرج في دمائه. شبكت أصابع يديها تحت بطنها المكورة. تنفست بعمق. تنفست ببطء. تخيلت نفسها تدخل مع كل شهقة وتخرج مع كل زفرة كأنها ريشة تحملها رياح خفيفة. تخيلت نفسها تسير عبر دمائها وتصل إلى رحمها. تمسد رأس ابنتها وتدور معها، تسبح معها، في ماء المشيمة، بسلام وهدوء. ليلتئذ، لم تنقذ توريل لارسن جنينها وحسب، بل الجنين نفسه، الابنة مليكة أنقذت أمها كذلك.

كانا متسترين بالظلام ينتظران. ريح تبلغ سرعتها ستون كيلومترا في الساعة. درجة الحرارة تبلغ خمسة عشر درجة مئوية. جوناثان. جواز سفر بريطاني. سلفيا. جواز سفر كندي. مصورة. قبعا في الظلام. الساعة تشير إلى الحادية عشر إلا ربع. رأيا أضواء الحافلة قادمة من أسفل الشارع. توقفت الحافلة في محطتها. نزل الزوجان أحمد المغربي، وتوريل لارسن المغربي. أمامهما بضعة أمتار قبل الوصول إلى بيتهما. فتح أحمد المظلة. حملها بيمينه واحتضن زوجته بيسراه. نظرت سلفيا إلى جوناثان. أومأ لها، وتحركا معا. خطوات واسعة. متجاورين. اقتربا من الزوجان الغافلان عنهما. أخرجا مسدسيهما على بعد مترين من الزوجين. صوبا بامتداد ذراعيهما، وأطلقا حسب الاتفاق المسبق بينهما. أطلق جوناثان خمس رصاصات إلى الصدر، وأطلقت سيلفيا خمس رصاصات إلى البطن والفخذين، ثم أضافت رصاصتها السادسة إلى الجبهة تماما. أحد عشر رصاصة. رصاصة مقابل كل روح أزهقها الرجل. تمت المهمة بنجاح. قبل أن يتهاوى جسد أحمد توقفت سيارتين بصرير مرتفع. قفز جوناثان إلى إحداهما وقفزت سيلفيا إلى الأخرى، وانطلقت السيارتين في اتجاهين معاكسين.

خرق دوي الرصاصات المتلاحقة سكون المدينة التي لم تعرف جريمة قتل طيلة ثلاثين سنة. ليلهامر المستكينة الهادئة التي يسكن فيها عشرون ألف شخص، ليس أكثر. ظهرت الأنوار تباعا في النوافذ المطلة على الشارع. التقطت امرأة من نافذة نوع ولون إحدى السيارتين قبل أن تغيب في الأفق المظلم. بيجو 500، بيضاء اللون.