الرواية التي نعثر عليها خلال كتابتنا لرواية أخرى

بدأتُ، خلال شهر يوليو 2019، كتابة رواية سميتها نادي البشمرگة. بعد فصل أول تجاوز الخمسة آلاف كلمة، وهو أطول ما كتبت من قبل في فصل واحد، وصلت إلى الفصل الثاني. بدأت كتابته من زاوية نظر شخصية ثانوية بأسلوب تيار الوعي. كتبت فقرتين وتوقفت أحدق في الشاشة. فكرة غريبة كانت تدور في رأسي. كنت قد أكملت قبل أسبوع من ذلك، أو أكثر قليلا، قراءة كل من رواية إبراهيم عبد المجيد، بيت الياسمين، ورواية روبرتو بولانيو، ليل تشيلي. كان عقلي الباطن ما زال يهضم الروايتين ويحلل طريقة كتابتهما. من تلك العمليات الكيميائية المعقدة جاءت الشرارة وومضت الفكرة بغتة. قررت أن الشخصية الثانوية التي بدأت بها الفصل الثاني هي الأنسب للتعبير عن ثيمات الرواية. تدفقت آنذاك، مع ذلك القرار، ودفعة واحدة، الرواية الجديدة وصار الفصل الأول السابق جزءا من رواية داخلية يصارع البطل الجديد لكتابتها خلال رحلته الليلية المشحونة بالهلوسات. هكذا جاءت رواية ليل طنجة، فتقدمت بها للمشاركة في جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة وكنت محظوظا لنيل روايتي الجائزة الأولى. ستصدر الرواية خلال سبتمبر القادم عن دار العين في القاهرة.

الأمر نفسه، تقريبا، حصل قبل ذلك مع روايتي أحجية إدمون عمران المالح، التي صدرت خلال أكتوبر الماضي عن دار هاشيت أنطوان، في بيروت.

الفكرة التي انطلقت منها لكتابة الرواية صارت لاحقا حكاية فرعية صغيرة في متن المتاهة التي يأخذنا إليها السارد.

أردت أن أكتب عن السفينة إيجوز التي كان يستخدمها الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، في عمليات الهجرة السرية لنقل المغاربة اليهود إلى جبل طارق، ومن هناك إلى إسرائيل. خلال رحلتها رقم 13، غرقت السفينة يوم 11 يناير 1961 وفي جوفها أربعة وأربعون مغربيا يهودي الديانة، نصفهم أطفال.

اخترت منذ البداية أن يكون السارد هو الموت (التناص هنا واضح مع سارقة الكتب)، وسمح ذلك لي بالذهاب في الاتجاه الخوارقي وظهرت شخصية الخالة ميمونة واحدةً من جماعة الورعين الستة والثلاثين (وهو مذهب صوفي في الديانة اليهودية)، ومن خلال أسفارها بين العوالم ظهرت شخصية عمران. هنا تحول كل شيء وسيطرت الشخصية الجديدة على كامل الرواية. صار عمران هو إدمون عمران المالح، وتقزم دور الخالة ميمونة وتحول غرق السفينة إلى مسار في رواية يكتبها إدمون عمران المالح ودفع الموت جانبا وأمسك هو بزمام سرد الرواية الجديدة. لقد أنقذت نفسي من محاكاة أطفال منتصف الليل، ومررت، خلال ذلك، من طريق يطل على مقبرة براغ.

إحدى الحكايات الفرعية في ليل طنجة، أو لنقل أحد تمظهرات الحبكة الخارجية في الرواية، هي حكاية الحالمين في ألف ليلة وليلة. هي حكاية عن رجل ثري يعيش في بغداد يتمكن منه الفقر حتى يلتهم كل ما يملك ويفقد كل ما كان لديه. همَّ بالاستجداء من الآخرين لولا أنه رأى في المنام رؤية تقول له أن يذهب إلى مصر وهناك سيجد كنزا. يذهب الى مصر ولا يجد مأوى غير المسجد فيقضي فيه ليلته. لسوء الحظ تعبر جماعة من اللصوص من المسجد لتسطو على البيت المجاور. تطاردهم الشرطة إلا أنها لا تقبض إلا على الرجل البغدادي وتحسبه أنه منهم. يأمر الوالي بجلده جلدات عدة. يبكي التاجر الحالم مصرا على براءته فيستفهم منه الوالي عن سبب مبيته في المسجد. يرد الحالم بأنه قدم لأنه حلم أن كنزا بانتظاره في مصر. يقول الحالم منكسر الرأس. لكن يبدو أن الكنز الذي وعدني به الحلم هو هذه السياط التي نلتها من عسس مصر. يضحك الوالي ويقول له. يا قليل العقل كيف تصدق ما تقوله الأحلام؟ لقد حلمت مثلك بكنز في بغداد في المحلة الفلانية والشارع الفلاني تحت سدرة في بيت فلان لكنني لست غبيا مثلك لأذهب حتى بغداد بحثا عن كنز وهمي. خذ هذه القروش وعد الى بغداد. يعود التاجر الفقير الى بغداد مغتبطا. لقد كانت المحلة التي سماها له الوالي من حلمه هي محلته والبيت بيته. ومن تحت السدرة التي وصفها الحالم في مصر يستخرج التاجر البغدادي الكنز الذي وعده به الحلم في بغداد وكان عليه أن يذهب حتى مصر ليعرف مكان الكنز الذي كان قابعا تحت رأسه.

وأنا أكتب تلك الحكاية كان حاضرا في ذهني بقوة عنوان كتاب عبد الفتاح كيليطو، في الأصل هي جملة من كتاب يوميات كافكا: من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا.

ما بين الفكرة الأولى، غرق السفينة إيجوز، إلى الصيغة النهائية التي صدرت بها أحجية إدمون عمران المالح بون شاسع. كيف حدث ذلك؟ صعب الجزم، إلا إنني خلال بحثي عن رواية إيجوز عثرت على رواية أخرى.

تحولت نادي البشمرگة إلى ليل طنجة وتحولت إيجوز إلى أحجية إدمون عمران المالح، وما يمكنني قوله هو: أجمل رواية هي التي نعثر عليها خلال كتابتنا لرواية أخرى.

مليون نافذة

أقر بأني أحب الألعاب السردية في الكتابة الروائية، ولا شك أني لا أفلت فرصة لتطعيم سردي بشكل، أو بآخر، أو أكثر من لعبة سردية، بدءا من روايتي الأولى البسيطة والمتواضعة، كافكا في طنجة، ثم أحجية إدمون عمران المالح، المعقدة والمتشابكة أحداثا وأزمنة، وأخيرا ليل طنجة، بنفسها السردي الطويل وتداخل مستوياتها السردية. أقول، كما جاء إقراري في أول الجملة، أنني أحب الألعاب السردية ولا أضيع، من مجلسي ككاتب، فرصة استغلال أي فرصة متاحة، غير أنني حين أجلس في مجلس القارئ، أو حسبما يقولون؛ حين أرتدي قبعة القارئ، وأقرأ عملا لا يخلو من الألعاب السردية، وأقصد طبعا عملا لكاتب آخر وليس نصا كتبته، كهذه الفقرة الطويلة، أكتشف، آنذاك وأنا أقرأ رواية متخمة بالألعاب السردية، أننا، معشر الكتاب الذين يعشقون التجريب على مستوى السرد، أننا نظلم قراءنا ونثقل عليهم، ونرهقهم، بألعاب سردية مملة، لا أحد يستمتع بها غير من يكتبها، وهكذا، إذا ما كان الكاتب منا ذا اسم معروف وهالة نورانية تحيط به، فإن القارئ، الذي سيمل حتى النخاع من ألعاب الكاتب السردية التي لا معنى لها، سيقول، بكل ثقة وشجاعة، كم هو عبقري ذلك الكاتب، أما لو كان الكاتب منا مغمورا غير ذي باع في سوق الكتب، كحال كاتب هذه الفقرة التي طالت كثيرا وأشك أن أحدا سيكملها حتى نهايتها، ولو أنك يا قارئي العزيز أكملتها أخبرني بذلك لأحتفل بي وبك، أقول لو أن كاتب تلك الخزعبلات السردية، هي خزعبلات الآن، كاتب مجهول الاسم، فإن القارئ سينتقم لنفسه من كل الكتاب المشهورين الذين أثقلوا عليه بغموضهم، وسيقول للكاتب غير المشهور إنه محض متطفل على الكتابة، وكتابته خالية من العمق، ونصه لا يستحق القراءة. أما أنت يا قارئي الجميل، وأنت يا قارئتي ذات الذوق الرفيع، سأخبرك سرا. هذه الفقرة، التي اقتربت أخيرا من نهايتها، جاءني شيطان وحيها، وبالمناسبة كلمة عبقرية في الانجليزية، جينيوس، وما في حكمها من لغات، قادمة من الكلمة العربية جني، والمقصود بها جن وادي عبقر حيث تسكن شياطين وحي الشعراء العرب، أعود وأقول جاءت هذه الفقرة وحيا متكاملا وأنا على عتبة الصفحة التاسعة والعشرين من الكتاب الموسوم رواية والمعنون بمليون نافذة والموقع باسم جيرالد مرنين.

سحر أمين معلوف في صخرة طانيوس

أعدت قراءة رواية صخرة طانيوس للمرة الثانية، وقد قرأتها أول مرة منذ أكثر من عامين. السحر نفسه لم ينقص شيئا، ونادرا ما أعيد قراءة رواية مرة ثانية وتعجبني كما أعجبتني أول مرة.

غلاف رواية صخرة طانيوس

الأجمل في رواية أمين معلوف هذه أن الساحر احتفظ في كمه بكل حيله السحرية. كانت نيتي الأساسية من إعادة القراءة دراسة الرواية، غير أنني أكثر من مرة كنت أنسى نفسي وأنسجم تماما في الحكاية. أريد أن أعرف كيف فعل الكاتب كذا وكيف سيفعل ذاك غير أن سحر السرد يقول لي: انس. إنك في وادي الرواية المقدس حيث سطوة الحكاية ستنسيك العالم الخارجي.

على العكس من ذلك، أرى الكثير من الكتاب العرب، الشباب منهم والمتمرسون في الحرفة سواء، يكشفون أنفسهم بسهولة، فأجدني أمام نصوصهم في حالة عكسية. أريد أن أنسجم في الحكاية لكن طريقة الكتابة لديهم تكشف نفسها بكل سهولة ولا أجدني قادرا على التركيز في السرد.

لتوضيح الفكرة تخيل أنك ذهبت لعرض سحري. الساحر متمكن من أدواته وجعلك تستمتع بعروضه دون أن يتسنى لك إطلاقا كشف سر أي حيلة من حيله. تلك حالة أمين معلوف في صخرة طانيوس. والآن تخيل أنك في عرض سحري تجد نفسك فيه مدركا لطريقة عمل كل الحيل التي يقدمها الساحر. هل ستستمتع؟ إطلاقا، لا.

سليم بركات وابنة محمود درويش

(سليم بركات ومحمود درويش. مصدر الصورة)

أخرج سليم بركات من عزلته الممتدة منذ عقدين في السويد، من قبعته السحرية التي لا يضاهيه أحد فيما يخرج منها من سحر، سرا قديما كشف عنه محمود درويش، بتساهل من لا يهتم بسرية السر أو بأريحية بوح الأب لابنه، فقال كاشفا لصديقه سليم أنه أب. “لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ”، قال درويش. أب هو لابنة من علاقة غير شرعية بامرأة متزوجة.

هكذا علمنا فجأة، أن محمود درويش الذي تزوج مرتين، إحداهما من ابنة أخ نزار قباني، والذي أحب من قبل شابة يهودية تركته لتنظم لسلاح البحرية الإسرائيلية (هي من كتب عنها قصيدة ريتا والبندقية)، علمنا بغتة أن محمود درويش الذي لم ينجب ولم يرغب بالأبوة هو أب من علاقة عابرة بامرأة متزوجة.

لقد كشف سليم بركات، الشاعر والروائي الكردي-السوري الذي كتب عنه درويش قصيدته ليس للكردي إلا الريح، سرا ما كان يجب أن يكشفه، وهكذا نزلت عليه صواريخ المحاربين العرب، من كل صوب، واكتشف الكتاب والشعراء العرب فجأة أنهم يملكون الشجاعة ليقولوا بأن سليم بركات ليس بشاعر ولا بكاتب (وحتما ليس بنبي) وما هو إلا شخص يتحذلق بنحت الكلمات من الصخر ويشق على القراء ويجهد نفسه ليلد كلمات وحشية لا أحد يفهمها وتراكيب تستعصي على التهجي.

أخطأ سليم لا شك. غير أن صديقه جان دوست يقول دفاعا عنه أن بركات أخطأ كما يفعل الطفل الذي يحرج عائلته أمام الضيوف حين يتحدث ببراءة عن أسرار لا يفترض أن يتحدث بها أمام أغراب. لا سوء نية في الأمر، وسليم بركات الكبير قيمةً لا يبحث عن زوبعة ليتسلق ظهر أحد ما. كتب جان على صفحته في فيسبوك: “لا أعتقد أن سليم بركات أراد أن يفجر فضيحة في الوسط الأدبي، فهو الذي انعزل في منزله عن الدنيا كلها ويستعد بقلق لولوج حديقة السبعين، ويحاول قدر الإمكان تجنب الأضواء التي تبهر عينيه. لا، سليم الطفل السبعيني ليس ذلك الواشي الذي يدور بالأخبار والفضائح من مجلس إلى آخر بل إن ما فعله لا يعدو كونه نتيجة من نتائج عزلته. فالعالم اختصر عنده إلى قلة قليلة ممن يتواصل معهم ولا يرى في الأمر غضاضة إن تحدث عن سر وما هو بسر، وأنا على يقين من أنه ليس نذلاً كما يتهمه ‘حراس الأخلاق’ بل لم يقل شيئاً خطيرا لأن لا أنا ولا أنت ولا الآخرون من جنس الملائكة. سليم بركات كتب ما كتب ببراءة الطفل الذي يذيع سرا من أسرار أبيه في المجلس أمام الضيوف دون أن يتخيل عواقب ما يقول.”

أعتقد أن المقال الذي نشره سليم بركات كاشفا فيه، ببراءة الطفل الذي يسكنه، سر محمود درويش، وهو مقال كتب منذ ثمان سنوات، مقالٌ لم يكتب لينشر. هو بمثابة خاطرة شخصية كتبها سليم لنفسه، وعلى الأرجح لم تخرج للعلن إلا بغواية صديق أو حماس مباغت خلال مراحل الإعداد لنشر حوار صحفي مطول أجراه وليد هرمز مع سليم بركات ونشر قبل أيام في كتاب بعنوان “لوعة كالرياضيات.. وحنين كالهندسة”.

مشكلة المقال الأكبر، الذي عنونه سليم بـ “محمود درويش وأنا“، هي أنه يعيد التركيز على مأزق العلاقة بين بركات ودرويش. العلاقة التي يبدو من خلالها سليم كأنه طفل ولد يتيما ويتشبث دون هوادة بأب، صادفه في مسيرته، ليمنحه شرعية الاعتراف. يربط سليم بركات نفسه بمحمود درويش إلى درجة لصيقة كأنه يبحث عن اعتراف الآخرين بمكانته، من خلال اعترافه هو بعلاقته بمحمود درويش واعتراف الأخير بمكانته.

وهذا ما أشار إليه من قبل الناقد عبد الحميد محمد، عن مأزق هذه العلاقة التي لولاها لكان لسليم بركات شأنٌ آخر مختلف وأكثر أهمية في سوق الأدب: “مازلتُ أرى أنّ أكثر ما قلّل من حظوظ سليم بركات في سوق الأدب هي علاقته هذه مع محمود درويش، وإصراره على أن يكون ابنا لدرويش ونائبا له رغم أنه سيُظلم أدبيا لو قورن بدرويش في القوة والمتانة سواء لغويا أو فكريا.”

زلة قلم من سليم بركات -وحتى هومير يحني رأسه- وجاءت الفرصة التي وجد فيها الكثيرون من الكتاب العرب الإذن ليخرجوا رؤوسهم من حفرهم. البقرة سقطت وتحول الجميع إلى جزارين. لكن، كما يستطرد يزن الحاج، وهو من أشد الرافضين لأسلوب سليم بركات المعقد: “سليم بركات لا يمون إلا على مجد سنوات الثمانينيات وعلى مقالات متفرقة وعلى جمهور معقول، ولا يعيش على تمويلات يتنافس عليها ذباب الثقافة على حد علمي. ماذا لو كان ‘الجاني’ شاعرا آخر تقلب بين كراسي رئاسة أقسام ثقافية وإدارات تحرير وتمويلات هائلة؟ العلم عند الله!”