قراءة في رواية (أحجية إدمون عَمران المالح) لمحمّد سعيد احجيوج

مقالة الأستاذ عبد الغني صدوق، في جريدة كواليس الجزائرية لعدد يوم 21 فبراير 2021.

إنّ الواقفَ على رواية الكاتب المغربي “محمّد سعيد احجيوج” الموسومة بأحجية إدمون عَمران المالح، يرى أنَّ هذا العنوان مركّب من اسمين معنويين، الأول أحجية، فيتبادر إلى أذهاننا طرائف جُحا المحكية من لدن الجدّات والأجداد أيام زمان، ثمّ نكتشف- بعد قليل- بين طيّات النص أنّ عَمران- بفتح العين وهي جليّة على الغلاف- شخصية يهودية بعد مباشرتنا للقراءة، ونتساءل عمَّا أنَّه ثمّة علاقة بين الأحجية وشطرٍ من اسم الكاتب (احجيوج)، تزيدُنا تلك العلاقة فضولًا وارتباكًا، وتجعلنا في حيرة، هل الأحجية سيقصُّها إدمون أم محمّد السعيد؟ وهل نحن أمام أدب السيّر الذاتية أم أنَّ عَمران المالح راويًا؟

حجم الرواية لحظة مسكها أو الجلوس لها ربّما لم يأخذ بالكثير منَّا إلى التطلُّع على فهرسها، وإنمَّا يأخذنا إلى القراءة الفورية مُستسهلين المُهمّة، فنجد في الصفحة الخامسة مقولة لعبد الفتاح كيليطو “ينبغي التيه ليتحقق الوصول”، فنُدرك أنَّ الكاتب كان يعي مدى المُخاتلة التي نصَبها مِن البداية، وكأنّه يطلبُ منَّا الاستعداد الكُلِّي لخوض غمار الرواية.

يُثبِّتُ الراوي أقدامنا في النص بعد أن تجاوزنا الخمس صفحات ويُعرّفنا على عَمران المالح فيقول: “اسمي إذا هو عَمران المالح، اسم يهودي هو..” عَمران يعمل مُحرِّرًا في جريدة لوموند الفرنسية وعضو لجنة تحكيم جائزة أدبية فرنسية، تعود أصوله إلى المغرب، نتعرّف كذلك على “فرانز غولدشتاين” صديق عَمران (الفُقاعي)، الذي يعمل مُحرِّرًا في دار نشر (إديسيو دو سابل).

يقول الراوي: “لم نكن صديقين بقدر ما كانت علاقتنا زمالة مهنية يطبعها بعض الود أو كثيره” (صفحة12).

تُعرض رشوة من يهودي على عَمران من أجل تمرير رواية اليوم المقدّس إلى القائمة القصيرة.

عَمران المالح أديب مغربي من أصول يهودية، اختار البقاء في المغرب حينما كانت الحركة الصهيونية تُشجِّع اليهود على الهجرة إلى أرض الميعاد، وهذا الموضوع بالذات توقّف عنده مُطولًا في رواية ألف يوم ويوم.

يبدو أن محمّد سعيد أثَّث للأحجية من المادة الخام لعَمران المالح، لكن الموضوع طُرح بحبكة يصعُب معاينتها؛ لأن خيوط السرد تمشي متوازية، بحيث يَتيه المُتلقي وهو يُراقبها وهذا راجع لثنائية الموضوع.

هجرة اليهود من المغرب إلى الأرض المقدسة على متن سفينة إيجوز من جهة، والفساد الأخلاقي الذي تشعَّب حتى في مجال الثقافة من جهة أخرى.

في الأحجية تجلَّى جُهد التخلِّي عن الزمكانية، فتحَ النص في غرفة ولم يصفْ لنا شكلها ولا لون جدرانها.. بحيث تعمل مُخيّلة القارئ على استحضار المكان من أرشيف الصُور.

تبدّد الزمن خلال المتن، فنلاحظ أن عام 1973 عام جاءت فيه الهجمة العربية على حين غرة وإسرائيل صائمة تُصلِّي احتفالًا بيوم الغُفران.

1956 تُقرِّر السلطات المغربية إيقاف الهجرات واعتبارها غير قانونية، وهنا يُطرح سؤال: هل الموساد تعمّد إغراق السفينة إيجوز لاستعطاف المجتمع الدولي ودفعه للضغط على المغرب لإعادة فتح باب الهجرة؟!

الخالة “ميمونة” شخصية محورية في الرواية، كشف لها الحاخام ذات يوم أنّها واحدة من الصالحين، لكن الراوي رآها أكبر من قُدُراته، فتركها جانبًا وركَّز على شخصية إدمون المالح.

تأتي فكرة الرواية من أي مصدر، من قراءة في جريدة، من موقف مؤثر، من أبسط الأشياء، وممّا لا يُتوقّع، ثمَّ تكبر شيئًا فشيئًا شاغلةً بال الكاتب فيَهمُّ ببداية التدوين.

إن الانتقال من حبكة جاسوسية تدوِّن الخداع الذي يُعشِّش في عالم الاستخبارات إلى حبكة الكتابة عن ناشر يرشو لجنة تحكيم جائزة أدبية لهو في حدِّ ذاته تيهٌ في المتن الروائي كما سلف الذكر.

كان الكاتب خبيرًا مُتمكِّنا من أدواته السردية، لغةً وبناءً ومُراوغةً، لم يترك لنا وجهة نظر خاصة نتشبّث بها فنؤيد حكمه أو نطعن فيه، وإنّما أبقى المجال مفتوحًا للتأويلات ومن ثمَّ الإدراك، نلاحظ ذلك ونحن نُقلِّب الصفحات باحثين عن المغزى من الأحجية، يقول عَمران في هذا الشأن: “على رسلك عزيزي فرانز، لم أصلْ إلى تلك المرحلة من الكتابة بعد عمومًا، أُفضّل ألَّا أُصدرَ أيّ حكم هنا، وغالبًا سأترك الحكم لتأويل القارئ حين أضعه في مواجهة احتمالين، إمَّا أن المصريين أغرقوا السفينة، أو أنَّ غرقها كان بسبب تجاهل الموساد أعمال الصيانة”.

في هذه الرواية المكتوبة في فصل واحد مكوّن من 94 صفحة، نفهم معنى الأحجية، وكأن الراوي أزاح الغطاء عن قضايا مسكوت عنها في قالب أحاجي، وهذه الأحاجي شكَّلت رواية تكشف ما يدور في عالم الجوائز الأدبية من فساد.

إنَّ الأحجية الصادرة في (عام الكوفيد) ستجعل لجان الجوائز الأدبية العربية على المحك، وإذا ما تُرجمت فذاك كلام آخر، لا سيما أنَّ تطبيع العرب في ربيعه!

هناك أمكنة في الرواية لم تستقرْ عندها المخيّلة، لا بدّ من ذكرها مثل فرنسا التي سافر إليها عَمران متأبطًا مخطوط روايته المكتوبة بالفرنسية، ومطار شارل ديغول في سفريته الأولى، ميناء مارسيليا في سفريته الثانية، قرية الشباب الدينية أين أمضى عامين، الثكنة العسكرية أين أمضى عامين ونصف مُجنَّدًا في الجيش.

تعمّد احجيوج إعطاء نتيجة الحَدث ثمَّ استرجاع التفاصيل، وهي تِقنية مُحبّبة كاسرة للملل مشوِّقة للآت.

يفشي فرانز لعَمران سرّين، السر الأول وهو أنّ كل ما كتبه عن مأساة عائلته في (الهولوكوست) الإبادة الجماعية التي تعرّض لها اليهود على أيدي النازيين إبان الحرب العالمية الثانية وكان هو الناجي الوحيد مجرّد كذِب، وأنَّ أفراد عائلته قام بقتلهم بيده واحدًا واحدًا.

والسر الثاني هو أنَّ صاحب شركة (إديسيو دو سابل) هو إيمانويل كاربون وليس مسيو روجيه سمعون كما يعتقد عَمران.

مسيو روجيه مالك للشركة على الأوراق فقط. كان إيمانويل كاربون الأب الروحي للمافيا الكورسيكية، وهذا ما يدفع للعجب، ما علاقة عصابات المافيا بالنشر والكُتب!

زرعَ فرانز في نفسية عَمران الخوف بشتّى طُرق الترغيب والترهيب، كلّ هذا من أجل تمرير رواية اليوم المقدّس إلى القائمة القصيرة، ودفعَ-فوق المائدة-بسبّابته ووسطاه شيكًا بعشرين ألف فرنك إلى عَمران، إذ يقول فرانز” كن عاقلًا يا عَمران لا أريد أن أخسر صديقًا مثلك”.

طال التضييق على مسيو المالح من طرف غولدشتاين ولم يسمح له بنشر روايته. حاصَره بقوّة المال والنفوذ حتى في دور النشر، وفي يوم الاحتفال بصدورها داهمتِ الشرطة القاعة وحجزتْ جميع النُسخ.

في الصفحة الأخيرة يقول الراوي: “أن الذاكرة فعلتْ فعلها وشوّهتْ أو بالأحرى أعادت تشكيل الكثير من الحقائق حتى صار عصيًّا الفصل بين الواقع والخيال”، وهي عبارة لها وزنها وقيمتها ومفعولها النقدي إذا أُخِذتْ بهمّة، فالبناء الروائي أرخبيل من الأفكار الواقعة في الزمن الماضي وأفكار يُتنبأ بسريانها في المستقبل، ممزوجتان بتجارب الحياة الحقيقية والمتوَهمة، والعبارة قد يقول عنها آخرون غير ذا القول.

نكتشف في الأخير أنّ “عيسى العبدي” مارسَ دور عَمران المالح، الذي أُقفلَ المتن بحضرته وهو يسترجع قول غولدشتاين في الغرفة: “مرّر رواية اليوم المقدّس إلى القائمة القصيرة وستحصل فورًا على شيك بعشرين ألف فرنك، وعقد غير مسبوق لنشر روايتك الأولى”.

الأحجية كسّرت النمطية المعتادة في البناء الروائي وهذا هو الإبداع المُبتغى والمثير للجدل.

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان

الكتابة بطبيعتها تحرير متواصل. تشكيل وإعادة تشكيل متواصلين. كل نص هو مسودة نص يسعى باستمرار نحو الكمال والاكتمال. الكتابة سيرورة بحث متواصل عن الأصل الذي فقدناه. عن الحقيقة الزئبقية المنفلتة من الأصابع. الحقيقة التي نتوهم أننا قبضنا عليها، غير أننا لا نجد في قبضتنا غير الفراغ.

حملتني الفقرة الأولى من رواية فادي توفيق، الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان، إلى الربط مباشرة مع رواية بول أوستر، كتاب الأوهام. بقي هذا التناص عالقا في ذهني متحكما في عملية تلقي هذا النص، رغم أن مسار النصين سرعان ما افترقا. أو ربما لم يفترقا تماما، فهاجس البداية من جديد عند شخصيات بول أوستر ظهر هو نفسه عند شخصية فادي توفيق، الساعية أكثر من مرة إلى “بداية جديدة بحق وحقيق”.

هل كان هذا التناص مقصودا من فادي توفيق أم هو ربط عشوائي من جهتي؟ في كل الأحوال تلك هي طبيعة التلقي. لا يهم ما أراده الكاتب فسُلطة القارئ أكبر.

الرواية بطبيعتها جنس أدبي مرن جدا، قادر على التلون الحربائي والتطور باستمرار ليلتهم أجناسا مختلفة ويدمجها داخله ليُشكل نفسه بشكل جديد يتحدى كل التغييرات الزمنية. مع ذلك، تلك المرونة تبقى محكومة. محكومة بماذا (؟) لا أعرف تحديدا. ما أعرفه أن الشكل والموضوع عندي لا ينفصلان، ولا يفضل أحدهما عن الآخر. طريقة كتابة الرواية هي جزء من الرواية نفسها. ليس الشكل الفني مسألة جمالية وحسب، بل عنصرًا عضويًا ووظيفيًا يساهم في تشكيل الموضوع وتحديد معناه، أو بالأحرى معانيه المحتملة.

أعرف أنه ثمة قراء سيرون أن روايتي أحجية إدمون عمران المالح مغالية في التجريب وسيعتبرون، إذا ما تعذر عليهم الإمساك بالحبكة أو أن الحكاية لم تشبعهم، أن النص ليس رواية. يمكنهم ذلك حتما. أما أنا فلا أحكم على النص إذا ما كان رواية أم لا بناءً على كيف كُتبت الرواية. الأمر عندي، حتى الآن، أقرب إلى الحدس.

يمكن أن أقرأ نصا يوصف أنه رواية، كتب بطريقة كلاسيكية ذات سرد خطي، مع ذلك ودون الخوض في أي تفاصيل تقنية سأقول، بناء على حدس محض غير متحكم فيه، ذلك النص ليس رواية. في المقابل يمكن أن أقرأ نصا مغرقا في التجريب على المستوى الشكلي، لا يحقق شيئا مما اعتاد عليه القراء من أشكال الرواية، وسأقول، أيضا بناء على حدس صرف غير مخطط له، ذينك النص التجريبي رواية مكتملة الأركان.

أما حدسي خلال قراءتي لرواية فادي توفيق، إلى غاية الفصل العشرين، فقد كان: هذا النص ليس رواية. لا شك أن طريقة السرد، أو تقنيته لو شئنا الدقة، أعجبتني كثيرا. لكن طيلة الفصول التسعة عشر كنت أشعر بأنه ثمة شيء ما ناقص. شيء يجعلني لا أتلقى النص باعتباره نصا روائيا.

سأعود هنا إلى رواية كتاب الأوهام. لو أن بول أوستر اكتفى بمسار حكاية المخرج السينمائي فيكتور مان، قبل الاختفاء، لجاءت الرواية باردة ولصار صعبا تصنيفها رواية. ما أعطاها الحيوية والانتماء هو المسار السردي للراوي، حكاياته الفرعية ثم التقاء مصيره مع مصير المخرج المختفي. أما عند فادي توفيق بقي السرد محصورا في قصة المخرج كيفورك كساريان، وأما الراوي الذي ظهر صوته مرة واحدة بوضوح وهو يقرأ من الأرشيف الشخصي للمخرج المختفي، فقد بقي في الخفاء لا نعرف عنه شيئا.

ربما هذا النص، كما أعمال كيفورك، غير مكتمل. مسودة هو لعمل أعظم. أو لعلها رواية تطلب من القارئ أن ينظر إليها بمفهوم “الحرف الراديكالي للوظائف وخيانتها”. إنها كما يقول كيفورك عن مشروع فيلم: “طلبت منه أن يفكر بالاحتمالات اللامتناهية التي يقترحها كل مشروع بحث فرعي على حدة لحظة تحريره من غايته الأصلية، والتوقف عن النظر إليه على أنه جزء من مشروع فيلم”. هل علينا التوقف عن النظر إلى هذا النص على أنه مشروع رواية؟

لكن في الفصل العشرين، الفصل الختامي، اعتدلت في مجلسي وتغيرت نظرتي للرواية. نعم، صارت الآن رواية. إنه الحدس مرة أخرى، غير أنه جاء متأخرا هذه المرة، لاحقا للحظة التنوير وليس قبلها.

هذه الرواية بدأت في الأصل معرضا بنفس الاسم صاحب عرضا فنيا أدائيا حمل عنوان حكاية الرجل الذي سكن ظله، وعرض في بيروت سنة 2018. والعرض المتعدد الوسائط، كما الرواية، يدور حول فترة الحرب الأهلية في لبنان ومن بين ما تتعرض له الرواية، والعرض، حياة البداوة القسرية وحمى الترحال، ومصائر فنانين اضطروا للهجرة أو دفعتهم الحياة إلى أدوار أخرى غير التي أرادوها لأنفسهم.

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان