الموت في ليلهامر

مقطع من إحدى المسودات الكثيرة المتراكمة. قد يكون عنوان الرواية النادل المغربي، وقد يكون غير ذلك. تتطرق الرواية لحدث اغتيال المغربي أحمد البوشيخي في مدينة ليلهامر من طرف فرقة اغتيال إسرائلية خلطت بينه والفلسطيني علي حسن سلامة مخطط عملية ميونيخ التي سقط فيها 11 رياضيا إسرائليا في أولمبياد ميونيخ الصيفي 1972.

رصاصة واحدة تكفي لتقتل إذا أسبغ القاتل النية وأحكم إطلاقها، غير أن الإعدام انتقاما يتطلب أكثر من رصاصة واحدة. تحول المشاعر المتدفقة مع الانتقام دون إحكام التصويب ولا يمكن أن تفي رصاصة واحدة بالغرض. الرغبة بالإذلال المصاحبة للانتقام تتطلب تشويه الجسد وتحويله مصفاة مشوهة الثقوب. رصاصة واحدة لن تكفي لتشفي الغليل، ولا خمسا، ولا عشرا. بل إحدى عشرة رصاصة. إحدى عشرة رصاصة اخترقت سكون الليل في ليلهامر النرويجية في تلك الليلة الماطرة للحادي والعشرين من يوليو 1973، وحولت الجسد المستهدف إلى مصفاة تدفق منها الدم شلالا. بجانب الرجل الذي هوى أرضا وسط بركة دمائه كانت زوجته الحامل في شهرها السابع، وكانا عائدين معا من حفلة سينما شاهدا فيها فيلمين متتابعين. أصر الزوج على مشاهد الفيلم الإسرائيلي الصقور تهاجم فجرا، وأرادت الزوجة أن تشاهد فيلم دخول التنين الذي ختم به بروس لي مسيرته الفنية وعرضته قاعة السينما في حفل خاص كتكريم لبروس لي الذي أُعلنت وفاته في اليوم السابق. شحبت الزوجة تماما وابيض وجهها وانسحبت منه الدماء كأنها لم تكن هناك يوما. انتفض قلبها وصار يدق بجنون كأنه يريد الفرار من قفصها الصدري. كل ما كانت تفكر فيه أنها يجب ألا ترتعب. يجب أن تهدأ. مطلقا النار هربا ولم تكن لهما نية التصويب عليها. يجب أن تهدأ. الوعاء يجب أن يبقى سليما. لا يجب أن يهتز. الجنين يجب أن يعيش. لن تتحمل فقده. أغمضت عينيها عن زوجها المضرج في دمائه. شبكت أصابع يديها تحت بطنها المكورة. تنفست بعمق. تنفست ببطء. تخيلت نفسها تدخل مع كل شهقة وتخرج مع كل زفرة كأنها ريشة تحملها رياح خفيفة. تخيلت نفسها تسير عبر دمائها وتصل إلى رحمها. تمسد رأس ابنتها وتدور معها، تسبح معها، في ماء المشيمة، بسلام وهدوء. ليلتئذ، لم تنقذ توريل لارسن جنينها وحسب، بل الجنين نفسه، الابنة مليكة أنقذت أمها كذلك.

كانا متسترين بالظلام ينتظران. ريح تبلغ سرعتها ستون كيلومترا في الساعة. درجة الحرارة تبلغ خمسة عشر درجة مئوية. جوناثان. جواز سفر بريطاني. سلفيا. جواز سفر كندي. مصورة. قبعا في الظلام. الساعة تشير إلى الحادية عشر إلا ربع. رأيا أضواء الحافلة قادمة من أسفل الشارع. توقفت الحافلة في محطتها. نزل الزوجان أحمد المغربي، وتوريل لارسن المغربي. أمامهما بضعة أمتار قبل الوصول إلى بيتهما. فتح أحمد المظلة. حملها بيمينه واحتضن زوجته بيسراه. نظرت سلفيا إلى جوناثان. أومأ لها، وتحركا معا. خطوات واسعة. متجاورين. اقتربا من الزوجان الغافلان عنهما. أخرجا مسدسيهما على بعد مترين من الزوجين. صوبا بامتداد ذراعيهما، وأطلقا حسب الاتفاق المسبق بينهما. أطلق جوناثان خمس رصاصات إلى الصدر، وأطلقت سيلفيا خمس رصاصات إلى البطن والفخذين، ثم أضافت رصاصتها السادسة إلى الجبهة تماما. أحد عشر رصاصة. رصاصة مقابل كل روح أزهقها الرجل. تمت المهمة بنجاح. قبل أن يتهاوى جسد أحمد توقفت سيارتين بصرير مرتفع. قفز جوناثان إلى إحداهما وقفزت سيلفيا إلى الأخرى، وانطلقت السيارتين في اتجاهين معاكسين.

خرق دوي الرصاصات المتلاحقة سكون المدينة التي لم تعرف جريمة قتل طيلة ثلاثين سنة. ليلهامر المستكينة الهادئة التي يسكن فيها عشرون ألف شخص، ليس أكثر. ظهرت الأنوار تباعا في النوافذ المطلة على الشارع. التقطت امرأة من نافذة نوع ولون إحدى السيارتين قبل أن تغيب في الأفق المظلم. بيجو 500، بيضاء اللون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *