نعيمة البزاز

نعيمة البزاز (قصة قصيرة)

تتلألأ الأضواء وتنعكس على مياه النيل كما تنعكس على مقلتيك الدامعتين. متكئة كنت على إطار النافذة في ذلك الفندق الفخم، وسط القاهرة، الشاهد على فيض الحياة المتدفقة من جريان النيل. كنت تبكين بصمت. لم تتعودِ على هذا الضعف من قبل. كان عليك أن تصرخي، لكن الدهشة ألجمت فمك. ندمت على قبول الدعوة. لا فرق بين القاهرة وأمستردام. كل المدن سواء. جميعهم يعتبرون المرأة عورة. وجهها عورة، صوتها عورة، وحتى اسمها. اسمها عورة.

تشهقين مقاومة البكاء الصامت أن يتحول نواحا صاخبا. كم كنت فرحة يوم تلقيت الدعوة. معرض القاهرة للكتاب. ندوة صحفية للإعلان عن روايتك الأولى التي تُنقل إلى العربية. كانت سعادتك لا توصف أن تصدر قريبا إحدى رواياتك مترجمة إلى لغتك الأم. كم تمنيت لو تستطيعين الكتابة بالعربية. لكنك لا تعرفين إلا الهولندية، وقليلا من العامية المغربية.

جلست منتشية قبالة جمهور الصحفيين والكتاب الذين استدعاهم الناشر ليعلن عن توقيعه عقد ترجمة روايتك. ليعلن عن موهبة عربية أينعت في الأراضي المنخفضة. كنت سعيدة كما طفلة بأول دمية. انتظرت ناشرك أن يقدمك للصحفيين. بسمل وسعل. بسمل وحوقل. بدأ الناشر باسمك. "نعيمة أحمد،" قال. التفت إليه مندهشة. أحمد اسم أبيك، واسمك في المغرب كما في هولندا هو اسمك الشخصي وبعده لقب العائلة. البزاز. مرت لحظة الدهشة بسرعة وانتبهت. تذكرت مداعبة صديقة خليجية أخبرتك أن اسمك يعني في لهجتهم، ما تعنيه الكلمة المغربية "بزازل". أثداء. أردت أن ترفعي يدك وتخرسي الناشر. أردت الوقوف والصراخ في وجه الحضور، "نعيمة أحمد ليس اسمي. اسمي نعيمة البزاز. أعرف أن الكلمة في لهجتكم تعني الثدي. هذا لا يعنيني. إنه اسمي وأنا فخورة به." لكن خوفا مباغتا، لا تدرين من أين أتى، ألجمك. لم تستطيعِ الكلام. خرست تماما. اختنقت من الداخل.

الآن، من نافذة فندقك، تطلين على النيل وتحاولين منع دموعك من الانهمار. لم تكوني يوما مستسلمة. منذ وصولك رفقة أبيك إلى هولندا، وعمرك أربع سنوات، وأنت تقاومين بشراسة. ماذا حدث لك اليوم؟

طرقات على باب غرفتك. مشيت ببطء ونظرت من العين السحرية. إنه ناشرك. لعله جاء يعتذر. لاحظ أنك لم تكوني على سجيتك خلال الندوة الصحفية. سألك عن السبب ورفضت الإفصاح. جبن إضافي سكنك وأدهشك. لعله فهم الأمر وجاء يعتذر. نفضت الدمعتين من مقلتيك وعدلت هندامك. فتحت الباب وجاهدت لرسم البسمة على وجهك. ابتسم هو الآخر وتقدم داخلا دون دعوة، وهو يحمل كيسين.

"رأيتك متعبة،" قال ناشرك وهو يضع الكيسين على المنضدة الصغيرة. "كنت أفكر بدعوتك لعشاء للاحتفال بتوقيع العقد، لكن فكرت أن المجيء إلى هنا أفضل. لا أريد أن أتعبك."

لا تصدقين طبعا. إنك تشمين بسهولة رائحة أفكاره النتنة. اللعنة.

"أنا متفائل جدا بنجاح روايتك عند القارئ العربي. ستكون بداية جيدة وسنعمل على ترجمة رواياتك الأخرى، واحدة كل سنة."

ترين أن كلامه في واد وعينيه في واد آخر. تبدو كلماته دون معنى وعينيه تتجولان على جسدك صعودا ونزولا.

جلست على طرف السرير بعد أن جلس هو على الكرسي الوحيد الذي في الغرفة. أخرج علبة طعام من الكيس الأول وانبعثت رائحة القمرون. أخرج من الكيس الآخر قنينة نبيذ وكأسين زجاجيتين.

وضع يده على ركبتك. انتفضت.

"ستكون شراكتنا مثمرة، بإذن الله." قال.

"إن شاء الله،" تمتمت بصوت غير مسموع.

إن شاء الله! كانت آخر عبارة قالها والدك أمس، ولم يرد على أي من مكالماتك طيلة هذا اليوم. "اعتني بنفسك بابا." قلت له أمس قبل أن تنامي، ورد عليك برده المغربي الأثير. الجملة التي يمكن أن تقال في أي مناسبة، ودائما لا تعني شيئا. إن شاء الله. كم تكرهين أن تلقى العبارة في وجهك دون وجه حق. تكرهين التواكل الذي تحمله العبارة، وتمقتين أكثر التهرب من الوعود المستقبلية الذي يضمره في نفسه كل من يتلفظ بالعبارة مختبئا خلف مشيئة الله. خلف المبرر الذي يعرف أن لا أحد سيجرؤ على الوقوف أمامه صراحة.

حاولت الاتصال بأبيك طيلة النهار ولكن لا رد. لا شيء خطير على الأرجح. كثيرا ما يترك هاتفه في البيت حين يقرر الاستمتاع بخضرة الضواحي بعيدا عن صخب أمستردام، ثم يعرج في طريق عودته على أصدقائه المغاربة. المحاربون القدماء كما يسميهم. السواعد التي حملت قطع الآجر وأكياس الإسمنت لترفع المباني الهولندية. لكنك صرت تخافين هذا الصمت مذ توفي جدك قبل عام، في طنجة. كان يقيم مع خالتك، ابنته البكر، بعد أن عاد من هولندا إيان تقاعده. ترك هو الآخر هاتفه في البيت وخرج صباحا إلى السوق. جاء الظهر ولم يعد. تلك لم تكن عادته. جاء العصر وجاء المغرب ولم يجئ هو. تحول القلق إلى صخرة ثقيلة على قلوب خالتك وأبنائها. خرج الجميع بحثا عنه، وليلا جاء الخبر. جثة جدك في مستشفى محمد الخامس. جاءت التفاصيل لاحقا. كان جدك ينزل من سيارة الأجرة حين داهمته أزمة قلبية وسقط أرضا في الشارع. جاءت سيارة الإسعاف بعد قرن، وحين وضع جدك على سرير المستشفى كان البريق في عينيه قد انطفأ إلى الأبد. قال الأطباء أنه وصلهم متأخرا. لكن الحقيقة ما عادت تخفى عنك. كل من يصل المستشفى في طنجة يصلها متأخرا. إن لم تتأخر سيارة الإسعاف سيتأخر المريض خارج باب المستشفى خلف طابور طويل تصطف فيه كل أنواع البؤس، أو على أرضيةٍ في الرواق ينتظر سريرا أن يفرغ أو طبيبا أن يشغر.

جاءك ذاك الخبر فصرت تخافين على والدك. يتوقف قلبك كلما اكتشفت هاتفه مرميا على الأريكة وهو خارج البيت. تتذمرين وتفصحين له عن خوفك، ويتذمر هو ويفصح لك أن لن يصير في آخر أيامه عبدا للهاتف. تجلسين بالساعات تقضمين أضافرك تنتظرين الباب أن يفتح ويدخل والدك أو أن يرن هاتفك عن تلك المكالمة المشؤومة. تطمئنين نفسك قليلا أنك في هولندا. لو تعرض والدك لوعكة صحية في الشارع فسيلقى فورا الرعاية التي يحتاجها. لا خوف عليه من الإهمال هناك. لكن هيمنة القلق أكبر دائما، كما هي اليوم في هذا الفندق وسط القاهرة.

الوقت ليل الآن في أمستردام. تلتفتين إلى هاتفك على مخدة الفراش. يفترض أن والدك وصل البيت ورأى محاولاتك للاتصال به. ليس من عادته التأخر خارج البيت حتى هذه الساعة. لم يفعلها من قبل. القلق ينهشك ونظرات الشهوة في عيني الناشر تثير أحماض معدتك. تقومين واقفة. يدفعك خوفك على أبيك إلى استعادة بعض شجاعتك. "معذرة،" تقولين. "لا أشعر أني بخير. أيضا أنتظر مكالمة من أبي خلال دقائق. لنؤجل الاحتفال إلى وقت آخر." ليس هذا بالضبط ما أردت قوله، لكنه أفضل من لا شيء.

قام ضيفك غير المدعو ورأيت الانتفاخ أسفل بطنه. اللعنة. أغمضت عينيك مشمئزة. أردت البكاء. أمسك معصميك.

"خيرا. فضفضي لي ما يثقل عليك. يمكنني مساعدتك."

رائحة فمه تزكم أنفك. تسحبين يديك. تصرخين دون نية مسبقة بالصراخ. "ابتعد عني."

كانت غلطة أن تثيري ذعر الحيوان. أثرت ذعره وأيضا شهوته. رأيت شبح دهشة مر سريعا على عينيه. ثم رأيت كفه الثقيلة تصفع خدك. سقطت على الفراش. ألجمتك المفاجأة. كيف يجرؤ. يمكنك الصراخ وسيكون كل نزلاء الفندق هنا خلال دقائق. كيف يجرؤ. لكنك تأخرت. قفز عليك. ضغط بيسراه على فمك وأنفك وجلس بثقله على بطنك فضغطت أحشاؤك على رئتك. ظهر شيء من الرعب على وجهه. "أرجوك أصمتي. لا أريد أذيتك." لا. لن تصمتي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. تقفلين على ذاكرتك. ليس هذا وقت استدعاء الماضي. ركزي على المقاومة. ركبتيك حرتين اضربي بهما ظهره. يديك حرتين اخمشي بهما وجهه وسددي أصابعك نحو عينيه. لا فائدة. قوتك تخور. رئتك تجاهد لسحب الهواء لكن الحيوان جالس عليك ويسد فمك وأنفك. تمسكين يده بكلتا يديك. تدفعين. تخمشين. يضغط أكثر. قوتك تخور. لا. لن تستسلمي. ليس مرة أخرى. اغتصاب واحد في العمر يكفي. لا تستسلمي لشلال ذكرياتك. لا تهربي إلى مستنقع الماضي. تنتفضين. تحركين رأسك يمينا وشمالا وتواصلين خمش اليد المشعرة التي ما تزال تضغط على فمك وتسد أنفك. لا هواء يدخل رئتك. تتراكم الدموع في عينيك. تغيم الرؤية. "تبا لك. عاهرة. تسلمين نفسك للأجانب وأمامي تتمنعين. نحن عرب مثلك. مسلمون مثلك. نحن أولى بك." هذا ما قاله تماما إمام الجامع الذي كان يدرس لك العربية ويحفظك القرآن في بيتكم. أنت مغربية وهو مغربي وهو أولى بك. قال. كنت في السادسة عشر من عمرك حين قال إنه لن يؤذيك. هو فقط سيعلمك ما يفيدك حين تتزوجين. كنت في السادسة عشر من عمرك وكان هو في الأربعين أو أكثر قليلا. ليس معتادا أن تكوني في البيت وحدك. دائما يكون والدك هناك في تلك الساعة. لكن طارئا ما أخره. جاء الفقيه المعلم في موعده الثابت منذ سبعة أشهر. لم تجد حرجا في إدخاله. ماتت أمك قبل أن تصلي السن المناسبة لتفهمي تحذيراتها من الرجال. بدأت الحصة كما المعتاد، وحين اطمأن الفقيه ألا أحد في البيت غيركما أخذ كفك بين يديه، وقال "أنت مغربية وأنا مغربي. ابن بلدك أولى بك من الشباب الهولندي الفاسق." احتفظ بيدك في يسراه ووضع يمناه يربت على فخذك. "لن أؤذيك. أنت كبيرة بما يكفي ليستمتع كلانا، وسأعلمك ما يفيدك في زواجك." سحبت يدك ودفعتيه. صرخت أن يبتعد عنك. تعثر من دفعتك وسقط. احمر وجهه وجحظت عيناه. قام واقفا كمارد انطلق من قمقمه. هربت قبل أن يصل إليك. جرك من شعر رأسك وأطبق على فمك. أمسكك من وسطك وضغط ظهرك إلى صدره. شعرت بالعود الصلب على عجيزتك. ركلتيه بكعب قدمك على ساقه لكنك تألمت أكثر منه. رفع فستانك بيمناه ويسراه ما تزال تضغط على فمك. أرخى سرواله وأنت ما زلت تحاولين ركله ورفسه. تمكنت من عض أصابعه. صرخ وأبعد يده. سحبك مجددا من شعرك وأدارك إليه. صفعك أربع صفعات هدتك تماما. انهرت على الأريكة. سقط فوقك. سحب تبانك. لهث فوقك طويلا وهو يجاهد لاختراق لحمك الجاف. تألمت. تشنجت. ثم بعد سنوات وعقود وقرون قام عنك وترك بين ساقيك ماؤه النجس. جاء والدك ووجدك على تلك الحال. جن جنونه. أخذك فورا إلى المستشفى. جاءت الشرطة. لم يكن يعرف بعد الفاعل وكنت أنت في غيبوبة الصدمة. أخبرتيه لاحقا وجن جنونه من جديد. تدخل الجيران المغاربة ليمنعوا أباك من ارتكاب جريمة قتل، ثم تدخلوا مجددا يثنوه عن تقديم الشكوى. أقنعوه أن الشكوى ستحمل لك العار طيلة عمرك. رضخ مضطرا وقبل بعقاب أن يعود الفقيه إلى المغرب. لاحقا، بعد أربعة عشر عاما، ستكتبين روايتك الثالثة، وستخرجين صديد تلك الذكرة كاملة على صفحات الرواية التي ستهوي عليك بغضب رجال الدين المسلمين في هولندا وتهديدات بالقتل واعتداءات ستتواصل على بيتكم وعلى أبيك حتى اضطررتما للرحيل إلى حي آخر لا يسكن فيه إلا الهولنديون. كتبت الرواية لتعالجي جروح الماضي لكنها حفرت على روحك جروحا أخرى. غامت الرؤية أمامك تماما وشعرت بروحك تغادر جسدك بعد أن يئست رئتك من سحب الهواء.

رأيت النفق المظلم الشهير وفي آخره نقطة الضوء. تقدمت بخطوات هادئة وأنت تشعرين لأول مرة بصفاء وراحة بال كبيرين. ظهر لك الشبح أمامك وعرفت بسهولة أنها والدتك. "بنيتي، تعالي. اشتقت إليك." قال الشبح النوراني بصوت أمك الذي اشتقت إليه. مدت أمك يمناها في اتجاهك فرفعت يدك بدورك نحوها وأسرعت في خطواتك.

"لا تستسلمي يا فتاتي." جاء الصوت من خلفك صوت أبيك. التفت إليه. "لم يحن أوان رحيلك بعد. عودي إليّ صغيرتي."

توقفت ونظرت مترددة بين والدتك في نهاية النفق حيث النور البهي ووالدك خلفك في ظلمة النفق. كان الاختيار صعبا. لكنك اخترت البقاء وفتحت عينيك.

وجدت الظلام قد أطبق على الغرفة، إلا من وهج خفيف يصل من الخارج. وجدت نفسك وحيدة في غرفتك. لقد رحل الحيوان. تلمست جسدك المنهك. كنت مفككة الأوصال كجثة مر فوقها قطار. وجدت ملابسك ممزقة عنك. تلمست ما بين ساقيك فوجدت أثار اللزوجة لم تجف بعد. أغمضت عينيك وبكيت. ليس البقاء هو الاختيار الأنسب.  تنظرين إلى النافذة مليا. تلتفتين إلى الأوراق البيضاء على المنضدة المجاورة للسرير. تعودين بنظرك إلى النافذة، ثم إلى الأوراق مجددا. يتوقف جسدك عن النشيج. تقومين إلى الورقة. تضعين سن القلم بقوة. تكتبين. لم يخف الألم أبدا، وكذلك لم ينقص إصرارك. تضعين القلم فوق الورقة وتلتفتين إلى النافذة. تتقدمين ببطء واثق. تسحبين المقعد. تقفين عليه. تفتحين النافذة. تنظرين إلى الأسفلت البعيد. تنظرين إلى الأسفلت الذي يقترب. هبت نسمة هواء عبر النافذة المشرعة وطارت الورقة لتلحق بك، مثقلة بثقل بوحك.

محمد سعيد احجيوج،
طنجة. 14 أغسطس 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *