مسيرة الكتابة ومنعطفات الحياة

كنت في الرابعة عشر من عمري حين كتبت أول قصة قصيرة. إن لم تخني الذاكرة وما أسهل أن تخون الذاكرة فتلك مهمتها المقدسة. في الحقيقة لم أؤلف أي قصة آنذاك بل كنت أكتفي بنسخ قصص الآخرين بمنتهى براءة الطفولة التي لم تكن تعرف شيئا عن حقوق التأليف. لا أتذكر أني نسبت لنفسي عملا ليس لي. كنت أنقل القصص من مساهمات القراء في الصحف والمجلات وأعيد كتابتها على شكل مطويات بمثابة كتيب جيب أقدمه رفقة مجلة الحائط التي كنت أحررها بالكامل في المكتبة المدرسية لإعدادية خليج طنجة. لم أكن أضع اسمي، لكن يبدو أن الآخرين كانوا يفترضون أنني كاتبها. ذات يوم سألتني القيمة على المكتبة إن كنت مؤلف تلكم القصص. أجبت خائفا من تهمة مبطنة في السؤال نافيا أنها لي. أتذكر أنني قلت بصوت مرتجف، “كلا، تلك ملخصات لقصص قرأتها.”

كانت سنواتي الثلاث في الإعدادية هي أفضل سنواتي الدراسية على الإطلاق. كنت أحد القلة الذين تأخروا في الذهاب إلى المكتبة. لم أكن أعلم شيئا عن وجود مكتبة في المدرسة حتى تكرر طلب القيمة لنا للقدوم لاستلام بطاقة المنخرط. ذهبت، رفقة باقي المتلكئين، بحكم التزام التلميذ لطلبات معلمه ليس إلا وكانت الجلسة الأولى مع السيدة خديجة التازي، قيمة المكتبة، مملة جدا. كانت تشرح لنا نظام استعارة الكتب من المكتبة وحديث من قبيل ذلك تبخر لا شك فور اكتمال اهتزاز طبلة الأذن بموجاته الصوتية. في الختام أرتنا مجلة مخطوطة، مطورة عن نظام مجلات الحائط، جهزها بعض تلاميذ السنة الثالثة (السنة التاسعة كما كانت تسمى آنذاك). هنا اعتدلت في جلستي. صار الأمر مثيرا ومشوقا. يمكنني القيام بمثل ذلك وربما أفضل. التهمت الصفحات بنظراتي الفضولية ثم خلال يوم الأحد التالي اعتكفت في البيت وسودت عشرات الصفحات مصمما مجلة متكاملة سلمتها في الغد إلى المكتبة ولم تصدق القيمة عدد الصفحات ودقة التصميم. طبعا كل المحتوى كان منقولا (مسابقات، معلومات، نكات.. لم أكن مؤلفا بقدر ما كنت محررا). بعد ذلك اليوم صرت مقيما في المكتبة المدرسية في كل أوقات الفراغ. سودت عشرات الأعداد من المجلة وساهمت بمحتوى أصلي (غالبا مقالات وأحيانا ألعاب مثل الكلمات المتقاطعة) في مجلات المدرسة التي انطلقت لاحقا وأسست أو شاركت في تأسيس عدد من المشاريع داخل المكتبة. أبرزها كانت مشروع المكتبة المصغرة. مكتبة داخل مكتبة. مكتبة صغيرة تتكون من تبرعات التلاميذ من الكتب وكنت مشرفا على نظام الإعارة فيها، رفقة صديقي نجيب سهيل، الذي كان هو صاحب الفكرة. مكتبة للكتب المستعملة لم تكن خاضعة لتعقيدات المكتبة المدرسية. تلك المكتبة المصغرة أتاحت لي الفرصة لتعلم نظام الديوي العشري لتنظيم الكتب في المكتبات وبعدها صرت أساعد السيدة خديجة في إدارة المكتبة المدرسية ذاتها. المشروعين الآخرين الأبرز كان نادي الشطرنج الذي بفضله تعلم كل رواد المكتبة الدائمين لعبة الشطرنج، ومشروع الكمبيوتر العجيب وهو هيكل كمبيوتر ورقي يُدخل فيه رواد المكتبة، عبر منفذ القرص المرن، وريقات تحمل أسئلتهم وكنت رفقة شريكي في المشروع نبحث في تلك المواضيع ونقدم الأجوبة. كأننا كنا بمثابة محرك بحث جوجل بدائي في وقت لم نكن قد سمعنا فيه بالإنترنت بعد. تلك السنوات الثلاث كانت الأروع في حياتي المدرسية. أما المدرسة الثانوية فقد كانت كأنها غابة جرداء. لا مكتبة مدرسية ولا فرصة لأي أنشطة جانبية. فقط حصص دراسية مطولة وواجبات منزلية لا تنتهي. لحسن حظي أن بذرة القراءة والكتابة كانت قد ترسخت في تربتي خلال سنوات المدرسة الإعدادية، بفضل القيمة على المكتبة السيدة خديجة التازي وبفضل أستاذ العربية المثابر عبد السلام المرابط، وحماس ونشاط أستاذ الفرنسية رشيد إلمير.

أو ربما البذرة زرعت قبل ذلك. أتذكر مشهدا ضبابيا في ليلة باردة ولم أكن قد بلغت السادسة من عمري. كنت عائدا مع والدي من زيارة عائلية حين لفتت نظري رسوم جميلة بين كومة كتب تباع على الرصيف. لا أتذكر كيف تم الأمر، كل ما أتذكره أنني جالس في البيت أستمتع بصفحات كتاب كوميكس، لعله كان أحد مغامرات طرزان أو كونان البربري. لم يكن الكتاب بالعربية وكنت أكتفي بتصفح الصور. لا شك أن والدي، الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ندم على ذلك اليوم بعد أن صار لاحقا يتذمر من الكتب المكدسة التي يضيق بها البيت الضيق أصلا. على امتداد السنوات العشرين التالية اضطررت للتخلي عن الجزء الأكبر من مكتبتي أربع مرات، بيعا أو إهداء، وما تزال غصة ذلك الفقد في حلقي حتى اليوم.

لا أتذكر تحديدا كيف جاءت فكرة الكتابة. لم أفكر يوما في ذلك. لكن لا يمكن فصل الكتابة عن القراءة أبدا. الكتابة بكل تأكيد نتاج طبيعي لفعل القراءة. ما أتذكره أنه خلال سنوات الطفولة حين كان الأطفال يحلمون بمهنة الطيار أو المهندس، كنت أسر لنفسي أنني سأكون رئيس تحرير مجلة أطفال، ثم في فترة المراهقة كنت أحلم بتأسيس وكالة أنباء.

أتذكر أيضا مشهدا من ختام السنة الدراسية في الحضانة (أعتقد أنهم ما عادوا يطلقون تسمية حضانة على سنوات الدراسة التي تسبق المدرسة الابتدائية.) وكان عمري يقترب من السابعة. السن الأدنى آنذاك لدخول المدرسة الابتدائية كان هو سبع سنوات. لكن كان يتم وقف الحساب إلى حدود مواليد ما قبل 31 مارس. أنا ولدت يوم 1 أبريل، وبسبب فارق اليوم ذاك ذهب أغلب أصدقائي في الحضانة إلى المدرسة الابتدائية وبقيت أنا سنة أخرى (كأنني لم أكن موجودا، كأنني الآخر مجرد كذبة أبريل). بكيت كثيرا يوم عرفت ذلك، وليواسيني أحد الأصدقاء، الذي يكبرني ببضعة أيام وسيسبقني بسنة دراسية كاملة، أحضر لي مجموعة كتب لأخيه، كانت كلها قصصا مصورة (كوميكس) بالفرنسية. طبعا لا أتذكر ماذا كان شعوري تحديدا يومذاك، لكن يمكنني القول بأن عيني برقت، مسحت أنفي بظهر يدي، قبضت على الكنز، وقررت أن اليوم مناسب للاستمتاع بهذه الكتب ويمكن أن أترك البكاء ليوم آخر.

تعزز فعل القراءة أكثر في سنتي الثانية في المدرسة الابتدائية. طلب منا المعلم في بداية السنة ثلاثة دراهم لتكوين مكتبة الفصل. اشترى مجموعة من القصص، أفترض أن ثمنها درهمين، وكان يقدمها لنا بنظام التأجير. نهاية كل أسبوع يقدم قصة لكل منا، ندفع مقابل كرائها درهما واحدا. غالبا كنت أقرأ القصة قبل اكتمال الحصة وأعيدها وأكتري قصة أخرى. استفدت كثيرا من تلك المكتبة التي كان يديرها المعلم في الفصل المدرسي لأغراض تجارية محضة.

بعد ذلك سار القطار في مساره. كنت أشتري كل ما تقدر عليه دراهمي القليلة. لاحقا، حين كنت أدرس في معهد للكمبيوتر في أوقات خارج دوام المدرسة الثانوية، كنت أوفر ثمن المواصلات لشراء المجلات والكتب وكنت أستمتع بقطع المسافة الطويلة بين البيت والمعهد جريا. سواء كانت الحصة صباحا أم ليلا.

على عكس زملاء الفصل، في السنة الثالثة من المدرسة الثانوية، الذين انطلقوا لكتابة الشعر متأثرين بشعر نزار قباني ومدفوعين بفوران الهرمونات، وجدتني في المكتبة العامة (المكتبة البلدية) أتنقل بين دواوين أدونيس وفصول من الثابت والمتحول. لا أعتقد أنني كنت أفهم الكثير، لكن وجدتني متحمسا لكتابة الشعر وقد كنت أحسبني أكتب شعرا حرا متميزا على غرار الشعر الحديث لبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، وقد فزت لاحقا بثلاث جوائز شعرية، لكن وجدت أن ما أكتبه بالكاد يمكن أن يندرج ضمن قصيدة النثر، والجميع يمكنهم كتابة قصيدة النثر.

محاولتي الجادة الأولى في كتابة القصة كانت خلال امتحان التعبير والانشاء في حصة العربية. المطلوب على ما أتذكر كان وصف حفل زفاف لم يكتمل. لكني لم أتوقف عند حد الوصف وكتبت قصة عن عرس في قرية فلسطينية يخترقه مستوطن يهودي.

لم أجد نفسي في الجامعة، وغادرتها خلال سنتي الأولى. كنت قد راكمت آنذاك بضع قصص قصيرة نشرتها لاحقا في كتاب “أشياء تحدث”، طبعا على نفقتي. كنت أشتغل مدرسا في معهد الكمبيوتر نفسه الذي تعلمت فيه. لو شئنا الدقة هو نادي تابع لدار الشباب التابعة لوزارة الرياضة والشباب (لا أعرف ماذا تسمى هذه الوزارة الآن، فأسماء الوزارات تتغير بتغير القطاعات المهداة لكل حزب.) بقيت هناك مدرسا بدوام جزئي طيلة عشر سنوات. منحت لي تلك الوظيفة دخلا معقولا سمح لي بالاستمتاع باقتناء الكتب، وقراءتها، ثم لاحقا المشاركة في تأسيس مجلة طنجة الأدبية التي صارت تلتهم ذلك المرتب كاملا قبل أن نقرر عبث التجربة ونوقفها. كانت التجربة متعبة لكنها بكل تأكيد ممتعة ومفيدة.

سمحت لي تجربة المجلة الاندماج في الوسط الثقافي في مدينة طنجة، وأنا بطبعي شخص إنعزالي. تعرفت على أفراد مميزين استمرت علاقتي بهم طويلا، لكن اجمالا لا يمكن وصف الوسط الثقافي، سواء في المدينة أو في كامل المغرب، إلا بالوسط المريض. النفاق والحسد والغيرة… ونقص الابداع. ربما كان هذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني للابتعاد عن الوسط الثقافي والتقليل من الكتابة الإبداعية. أو ربما هو فيروس “ريادة الأعمال” أصابني، وقبله فيروس “التدوين والإعلام الاجتماعي” فانشغلت لسنوات في مشاريع إنترنت صغيرة هدفها إثراء المحتوى العربي على الإنترنت. تحديدا خلال السنوات ما بين 2008 و2011.

لم أنقطع عن القراءة الأدبية خلال تلك السنوات، رغم أن تركيزي الأكبر كان على كتب برمجة الكمبيوتر وريادة الأعمال. اشتغلت بعض الوقت كاتبا حرا (فريلانسر) في بعض المدونات كما كتبت مقالات لمجلة عربية ووكالة الأنباء الألمانية. ثم جاءت فورة الجوائز العربية في مجال الرواية وبدأت العادات القرائية تتغير ووجدت نفسي أنفر من ذلك. سنة 2012 جاءني عرض عمل مميز، بدأته مبرمجا وأكملته مديرا تنفيذيا للعمليات. كانت ثلاث سنوات من العمل الشاق، والممتع. قراءتي في الأدب كانت محدودة جدا، لكن الهاجس كان يزورني بين وقت وآخر للكتابة. حتى أني بدأت ذات لحظة حماس محاولة كتابة رواية، كتبت منها بضع صفحات ثم تركتها.

بعد أن تركت تلك الوظيفة في أواخر سنة 2015، ولم يكن خروجي سهلا وسلسا، مرت عليّ فترة من الإحباط اقتربت من العام، لم أخرج منها إلا بفضل الكتابة. كتبت أولا كتابا صغيرا، نشرته إلكترونيا باسم (محمد الساحلي) وعنوانه “لا تكن كبشا”. هو عن نهاية الأمان الوظيفي والآمال المفتوحة لريادة الأعمال في كامل جوانب حياتنا. ثم أتبعته بمحاولة روائية متواضعة غير صالحة للنشر كان عنوانها “ضوء القمر” (فازت بالمرتبة الثالثة في إحدى المسابقات)، وهي في الحقيقة ليست رواية بقدر ما إنها إعادة ربط لقصص قصيرة كتبتها قبل ذلك بسنوات. بقيت بعد ذلك سنة أخرى أتخبط لا أعرف ماذا سأفعل حقا، إلى أن بزغت في رأسي فكرة روايتي “العزيف” فجلست أكتبها خلال يومين، ثم توقفت أسبوعا وعدت أكملها خلال يومين آخرين. لاحقا بعد بعض التحرير صدرت الرواية بعنوان “كافكا في طنجة”، وما زال يسكنني الندم على تسرعي بنشرها.

بكل تأكيد الكتابة ليست مصدرا للدخل يمكن الاعتماد عليه، ولذلك لم يكن من السهل التفرغ للكتابة. لم أتفرغ للكتابة ولا يبدو أن التفرغ سيتحقق قريبا، لكن على الأقل الهدف الآن واضح أمامي، ولا أنوي التوقف عن الكتابة مجددا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *