كافكا في طنجة، رواية مابعد حداثية تحاكي مسخ كافكا

صورة الكاتب محمد سعيد احجيوج وغلاف رواية كافكا في طنجة
(نشر هذا المقال بدايةً في ضفة ثالثة. أعيد نشره هنا بموافقة كاتبته مريم زرهون.)

بعد مجموعتين قصصيتين وغياب عشر سنوات عن الساحة الأدبية تأتي باكورة الإنتاج الروائي للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج نصا جريئا لا يخجل من وضع أصابعه جميعها على مكامن الجرح. رواية وسمت نفسها بعنوان لا يسلم مفاتيحه بسهولة -“كافكا في طنجة”- وباستهلال مباغت يهجم على القارئ دفعة واحدة.

يقول الراوي في الفقرة الأولى:

“قبل أن ينام قرأ قصة التحول الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين”.

ماذا حدث وكيف ولماذا؟

استخدم الكاتب رواية فرانز كافكا الشهيرة “التحول” كقناع فني لإمتاع القارئ ولتمرير رسائله، كما استخدم حبكة الرواية العالمية ليبني عليها رواية معاصرة لشاب مغربي يستيقظ ذات صباح ويجد نفسه، مثل بطل رواية كافكا، تحول إلى مسخ.
ماذا حدث، كيف حدث، ولماذا حدث؟ تلك هي الأسئلة التي تتوسلها الرواية للحديث عن موضوعات تشمل: ثنائية الخير والشر، وبالأخص الشر الكامن داخل كل إنسان والحيوان الغريزي الذي يمكن أن ينفلت من عقاله في أي لحظة. تفكك الأسرة المغربية، والعربية عموما، وتحول المصلحة إلى الرابط الوحيد الذي يجمع بين أفرادها. إضافة إلى الفساد الأخلاقي وهيمنة الجنس والخيانة وسط الأزواج والعائلات.

تحكي الرواية عن جواد الإدريسي الذي يشتغل معلما في الفترة الصباحية، وبائع خضروات في المساء. تخلى جواد، كعادة الابن البكر في الأسر العربية التقليدية، عن دراسته الجامعية وطموحه الشخصي لأن يتخرج ناقدا أدبيا، واشتغل ليعيل أمه وأخته بعد أن اعتزل والده العمل واقتعد سجادة الصلاة متفرغا للعبادة والاستغفار عن سنوات عاشها الأب بصخب.

لكن بعد خمس سنوات من الإخلاص المستسلم للواجب الأسري، وبعد أن تعود جواد ونسي أحلامه الشخصية، جاءت الصدمة المباغتة واستيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد انمسخ. تحول إلى مسخ شيطاني بقوى سحرية لن يعرف عنها جواد شيئا وهو يستيقظ كل صباح لا يتذكر شيئا مما حدث الليلة السابقة. الآن يفقد جواد نفسه ويفقد وظيفته وتفقد أسرته معيلها. لقد صار الآن هو ذاته عالة على أسرته، ولم يعد أمامه إلا أن يضحي بنفسه ويقدم حياته خلاصا لمعاناة الأسرة ولأسرارها الدفينة التي برزت إلى السطح.

تحولات المجتمع المغربي

تحيل الرواية بدءًا من عنوانها إلى عوالم كافكا الكابوسية، وبلغة أنيقة رشيقة وسرد ينساب كأنه معزوفة موسيقية تمكن الكاتب من أخذ إطار قصة كافكا الأشهر وملأ اللوحة بأحداث ومواقف أصيلة تشير مباشرة ودون مواربة إلى مكمن أمراض المجتمع.

لغة متينة ذات تركيبات جزلة وكلمات سهلة الفهم في متناول كل القراء. أحداث مشوقة، وصادمة، تدفعك لقراءة الرواية في جلسة واحدة ولا تفلتها من يدك. “كافكا في طنجة” رواية مكثفة، وهي على رغم قصرها، متعددة مستويات التأويل ومزدحمة بأحداث مثيرة تشبه روافد نهر يصب آخر الأمر في بحر الرواية التي تستمر منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير في الشد والجذب من شخصية إلى أخرى ومن زمن إلى آخر متنقلة إلى الأمام حينا وإلى الوراء تعود حينا آخر.

يتلاعب الكاتب بالشخصيات وبمصائرها، من جهة، ومن جهة أخرى يورط القارئ في لعبة القراءة والتأويل، منذ الصفحة الأولى، ويشركه في صناعة الحدث. كما لا تخلو الرواية من مواقف مضحكة وخفة ظل غير مباشرة وسخرية مبطنة من النفاق المستشري في المجتمعات العربية.

من الفصل الأول للرواية نقرأ:

“قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب”.

عقب ذلك الحلم المضطرب استيقظ جواد الإدريسي ليجد نفسه أنه إلى مسخ بشع، على فراشه، قد تحول. لقد انمسخ.

رغم سلبية البطل، كما نرى في كل تفاصيل حكايته، إلا أنه يمكننا أن ننظر إلى تحوله كفعل واع، كنوع من التمرد على ضغط المسؤوليات التي رزح تحتها. أو هو تحول لا إرادي بسبب الضغط ذاته الذي صار بسببه كأنه عبد يعمل للآخرين فقط ولا يحصل سوى على الفتات. حتى زوجته سنعرف في النهاية أنها لم تكن مخلصة له. منذ البداية لم يربطها به غير المصلحة. اكتشاف تلك الحقيقة ربما هو السبب الذي عجل بتحوله حين طغى عليه صديده الداخلي.

ما طبيعة هذا التحول؟ صعب الجزم. في ختام الفصل الأول يلمح الكاتب إلى لقاء بين جواد وكافكا. نعرف مشاكل كافكا مع المرأة والكبت الجنسي المفروض عليه رغم احتياجه الطافح. هل جاء كافكا بتعويذة سحرية ليسكن جوادا شيطان يتيح له الانتقام من النساء؟ قد تكون هذه قراءة موغلة في الغرابة لكنها ليست مستحيلة. طبيعة الراوي في الرواية تسمح بالذهاب في اتجاهات مختلفة وبعيدة لتأويل المسكوت عنه في الرواية. ثمة تشابه ضمني لا شك مع قصة الصراع بين دكتور جيكل ومستر هايد، وثمة أيضا رائحة لا يمكن إنكارها عن صفقة فاوستية، ربما لم تسر في طريقها الصحيح، بين جواد وذلك الضيف الذي يشبه كافكا.

نقرأ مثلا من الفصل الخامس، المعنون بـ”الرجل في المبنى الشاهق”:

“صفق القرد في النافذة بمرح وحك إبطه باستمتاع […] ثم صوب نظره أقصى اليمين، عند نهاية البوليفار، حيث صرخت كوابح سيارة رياضية مستنكرة التوقف المفاجئ. خرجت من الباب المجاور للسائق شابة تلبس تنورة قصيرة بالكاد تغطي استدارة ردفيها، وقميصا فوق سرتها بالكاد يغطي السواد المحيط بالحلمتين. صفقت الباب بقوة وشتمت السائق الذي خرج وصرخ فيها بوصف العاهرة. توقفت واستدارت إليه لترد وصف العهر لأمه. انحنى داخل السيارة وخرج بمسدس في يده. صوبه إلى صدرها. تجمدت المرأة في مكانها واعترى الرعب حامل المسدس الذي بدا أنه يصارع قوة خارجية تتحكم في يده. أراد أن يرخي قبضته على المسدس لكن أصابعه ضغطت الزناد. ارتخت يده أخيرا وسقط المسدس. دخل سيارته وهرب كأن الشياطين تطارده. خرقت الرصاصة سكون الليل فبدأت بعض الأنوار تظهر من النوافذ وبعض الرؤوس تطل باحثة عن مصدر الصوت الغريب. رأى بعضهم جثة فتاة الليل المكومة على الرصيف […] فحسبوها مجرد متشرد نائم هناك كعادة المتشردين في ظلمة هذه المدينة […] عادت الأنوار لتغمض عينيها وتستكين تحت جناح الليل، وبدأ القرد ينزلق عبر نوافذ المبنى نازلا إلى الشارع قاصدا مهمة، لن يعرف عنها بطلنا شيئا رغم أنه حين سيستيقظ صباحا سيجد يديه ملطختين بدم غريب ولن يعرف كيف أتت تلك الدماء إلى يديه”.

لا يبدو الكاتب متهاونا مع المرأة، غير أن النقد والاحتفاء يسيران معا في خط متواز. يمكنك القول إنهما وجهان للعملة ذاتها. لننظر مثلا إلى شخصية الأخت. بقدر ما إن هند تتمرد على الأسرة والمجتمع وتختار الهروب مع العشيق الفرنسي هي أيضا تتمرد على النسق الاجتماعي الذي يفرض على الأبناء أن يكونوا إلى الأبد في خدمة آبائهم وألا تكون لهم حياتهم المستقلة. عكس الأخ، جواد، الذي ضحى بأحلامه ليصير معيل الأسرة ليتوافق مع التوقع المجتمعي منه كابن. رغم أنه لم يختر أن يكون ابنا وحتما ليس لهذه العائلة تحديدا. هنا، ورغم أن الرواية تنتقد المرأة، بالأخص ممثلة في الزوجة سارة، فهي أيضا تحتفي بالمرأة وبحقها أن تستقل بحياتها وألا تكون مجرد تابع للأسرة. تنتقد الرواية هنا طريقة الاستقلال التي تختارها المرأة. هند في الرواية كانت تسعى للزواج، بأي طريقة، حتى تتخلص من تبعيتها لأسرتها كما تنتقد الرواية عدم إخلاص هند، والإخوة عموما، لتضحية الأخ الأكبر الذي كثيرا ما يحمل على كتفيه ثقل مسؤولية الأسرة حتى يحصلوا هم على حياة أفضل، إلا أنهم يتعاملون مع الأمر كواجب محتم على الأخ الأكبر. أيضا تشير الرواية إلى الاستسلام القدري للأم وتبعيتها لزوجها، وهنا تقارن بين جيلين انطلاقا يفترقان وصارت لكل منهما تقاليده وأفكاره؛ الأم وابنتها.

غلاف رواية كافكا

البطل بألف وجه ورواية ما بعد الحداثة

اختيار الكاتب رواية كافكا قناعًا يعني أن روايته القصيرة، “كافكا في طنجة”، ورثت تلقائيا كل حمولة النص الأصلي حتى وإن لم تشر لتلك الثيمات بشكل مباشر، وهذه نقطة قوة منحت للنص الجديد آفاقا غير محدودة للتأويل.

يمكن للقارئ الذي لم يقرأ رواية كافكا أن يكتفي بهذا النص ولن يجد مشكلة في فهمه وسيجد أمامه لو شاء الغوص مستويات قراءة مختلفة تسمح له بالخروج من النص بعد كل قراءة بمتعة جديدة وأفكار مختلفة. أما من قرأ “التحول” من قبل فسيتمكن طيلة قراءته لهذه الرواية من المقارنة بين قصة جريغور سامسا وقصة جواد الإدريسي، وعائلتيهما، مع الاستمتاع بكل الإسقاطات والرموز المنتقلة من نص “التحول” إلى النص الوريث.

موضوع القناع يلمح إليه الكاتب بطريقة غير مباشرة بعنوان الفصل الأول عن الحكايات المتشابهة منذ بدايات الحضارة. جاء عنوان الفصل “البطل ذي الألف وجه” تلميحا مباشرا إلى كتاب جوزيف كامبل، البطل بألف وجه، وهو دراسة تقارن ما بين قصص الأساطير القديمة وقصص الثقافة الغربية المعاصرة. يناقش كامبل نظريته عن رحلة البطل النموذجي الموجود في الأساطير العالمية وتشابه أغلب الأحداث التي يواجهها البطل أثناء مغامرته.

هذا القناع، أو المحاكاة، هو أحد عناصر رواية ما بعد الحداثة، وقد استخدمها الكاتب في روايته الأولى بحنكة من خلال الاعتماد على راو غير بشري، كائن الحكي الذي أوحى إلى كافكا نفسه كما لكتاب غيره من قبل ومن بعد.

المَعلم الآخر من معالم رواية ما بعد الحداثة هو الإشارات المرجعية إلى الروايات الأخرى في عناوين الفصول كما في المتن، وهنا تنفتح الرواية على روايات أخرى متعددة وتتعالق معها لتمنح للنص مستويات تأويل إضافية وللقارئ تمنح متعا لا محدودة للقراءة.

كذلك تأتي سلبية البطل، أو البطل النقيض لو شئنا الدقة، مع التشظي في السرد معالم أخرى من رواية ما بعد الحداثة، بجانب اختيار الراوي، غير البشري، الذي سمح للكاتب من جهة أخرى باللعب على مستويات الواقع والخيال.

يقول الراوي، وهو كينونة غير بشرية تمثل مصدر كل الحكايات الإنسانية:

“وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما”.

بعد ذلك مباشرة يلغي الكاتب الحدود بين الواقع والخيال، معتبرا إياهما الشيء ذاته ولا يفصل بينهما إلا المنظور. وحدها زاوية النظر هي التي تحدد، غالبا بشكل اعتباطي عشوائي غير عقلاني، بين ما هو حقيقي وما هو محض خيال.

إلغاء الحاجز بين الواقع والخيال يبرز أكثر من خلال تدخل الراوي في الأحداث: “تلك أمنيته هو، وأنا لا أنوي أن أحقق لهذا البطل كل ما يشتهيه. الحكاية تبقى حكايتي. نعم، نعم. يفترض ألا أتدخل في الوقائع وأكتفي بالسرد بعيدا دون أن أحشر نفسي في التفاصيل كلها. لكن لو فكرتم في الأمر ستجدون بأن الخيال يتدخل بضراوة في تشكيل الواقع؛ الحاضر والمستقبل وحتى الماضي”.

جاءت باكورة إنتاجات محمد سعيد احجيوج الروائية موفقة، ولو أنها لا تخلو من هنات البداية، مثل بعض الأخطاء اللغوية، التكلف في عناوين الفصول وبعض المباشرة التي أفلتت منه في أحد المقاطع. لكن من الواضح أن الكاتب بدأ خطوته الأولى بقوة، ولا شك سنتوقع منه الأفضل في القادم من أعماله، وهو أمر ليس بالمستبعد علما أن مخطوط روايته “ليل طنجة” حصل على جائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة في دورتها الأولى، كما أنه يستعد حاليا لصدور روايته الثانية “أحجية إدمون عمران المالح” عن دار نوفل/هاشيت أنطون في بيروت، خلال الأسابيع القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *