التصنيفات
عروض

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان

ربما هذا النص، كما أعمال كيفورك، غير مكتمل. مسودة هو لعمل أعظم. أو لعلها رواية تطلب من القارئ أن ينظر إليها بمفهوم “الحرف الراديكالي للوظائف وخيانتها”. إنها كما يقول كيفورك عن مشروع فيلم: “طلبت منه أن يفكر بالاحتمالات اللامتناهية التي يقترحها كل مشروع بحث فرعي على حدة لحظة تحريره من غايته الأصلية، والتوقف عن النظر إليه على أنه جزء من مشروع فيلم”. هل علينا التوقف عن النظر إلى هذا النص على أنه مشروع رواية؟

الكتابة بطبيعتها تحرير متواصل. تشكيل وإعادة تشكيل متواصلين. كل نص هو مسودة نص يسعى باستمرار نحو الكمال والاكتمال. الكتابة سيرورة بحث متواصل عن الأصل الذي فقدناه. عن الحقيقة الزئبقية المنفلتة من الأصابع. الحقيقة التي نتوهم أننا قبضنا عليها، غير أننا لا نجد في قبضتنا غير الفراغ.

حملتني الفقرة الأولى من رواية فادي توفيق، الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان، إلى الربط مباشرة مع رواية بول أوستر، كتاب الأوهام. بقي هذا التناص عالقا في ذهني متحكما في عملية تلقي هذا النص، رغم أن مسار النصين سرعان ما افترقا. أو ربما لم يفترقا تماما، فهاجس البداية من جديد عند شخصيات بول أوستر ظهر هو نفسه عند شخصية فادي توفيق، الساعية أكثر من مرة إلى “بداية جديدة بحق وحقيق”.

هل كان هذا التناص مقصودا من فادي توفيق أم هو ربط عشوائي من جهتي؟ في كل الأحوال تلك هي طبيعة التلقي. لا يهم ما أراده الكاتب فسُلطة القارئ أكبر.

الرواية بطبيعتها جنس أدبي مرن جدا، قادر على التلون الحربائي والتطور باستمرار ليلتهم أجناسا مختلفة ويدمجها داخله ليُشكل نفسه بشكل جديد يتحدى كل التغييرات الزمنية. مع ذلك، تلك المرونة تبقى محكومة. محكومة بماذا (؟) لا أعرف تحديدا. ما أعرفه أن الشكل والموضوع عندي لا ينفصلان، ولا يفضل أحدهما عن الآخر. طريقة كتابة الرواية هي جزء من الرواية نفسها. ليس الشكل الفني مسألة جمالية وحسب، بل عنصرًا عضويًا ووظيفيًا يساهم في تشكيل الموضوع وتحديد معناه، أو بالأحرى معانيه المحتملة.

أعرف أنه ثمة قراء سيرون أن روايتي أحجية إدمون عمران المالح مغالية في التجريب وسيعتبرون، إذا ما تعذر عليهم الإمساك بالحبكة أو أن الحكاية لم تشبعهم، أن النص ليس رواية. يمكنهم ذلك حتما. أما أنا فلا أحكم على النص إذا ما كان رواية أم لا بناءً على كيف كُتبت الرواية. الأمر عندي، حتى الآن، أقرب إلى الحدس.

يمكن أن أقرأ نصا يوصف أنه رواية، كتب بطريقة كلاسيكية ذات سرد خطي، مع ذلك ودون الخوض في أي تفاصيل تقنية سأقول، بناء على حدس محض غير متحكم فيه، ذلك النص ليس رواية. في المقابل يمكن أن أقرأ نصا مغرقا في التجريب على المستوى الشكلي، لا يحقق شيئا مما اعتاد عليه القراء من أشكال الرواية، وسأقول، أيضا بناء على حدس صرف غير مخطط له، ذينك النص التجريبي رواية مكتملة الأركان.

أما حدسي خلال قراءتي لرواية فادي توفيق، إلى غاية الفصل العشرين، فقد كان: هذا النص ليس رواية. لا شك أن طريقة السرد، أو تقنيته لو شئنا الدقة، أعجبتني كثيرا. لكن طيلة الفصول التسعة عشر كنت أشعر بأنه ثمة شيء ما ناقص. شيء يجعلني لا أتلقى النص باعتباره نصا روائيا.

سأعود هنا إلى رواية كتاب الأوهام. لو أن بول أوستر اكتفى بمسار حكاية المخرج السينمائي فيكتور مان، قبل الاختفاء، لجاءت الرواية باردة ولصار صعبا تصنيفها رواية. ما أعطاها الحيوية والانتماء هو المسار السردي للراوي، حكاياته الفرعية ثم التقاء مصيره مع مصير المخرج المختفي. أما عند فادي توفيق بقي السرد محصورا في قصة المخرج كيفورك كساريان، وأما الراوي الذي ظهر صوته مرة واحدة بوضوح وهو يقرأ من الأرشيف الشخصي للمخرج المختفي، فقد بقي في الخفاء لا نعرف عنه شيئا.

ربما هذا النص، كما أعمال كيفورك، غير مكتمل. مسودة هو لعمل أعظم. أو لعلها رواية تطلب من القارئ أن ينظر إليها بمفهوم “الحرف الراديكالي للوظائف وخيانتها”. إنها كما يقول كيفورك عن مشروع فيلم: “طلبت منه أن يفكر بالاحتمالات اللامتناهية التي يقترحها كل مشروع بحث فرعي على حدة لحظة تحريره من غايته الأصلية، والتوقف عن النظر إليه على أنه جزء من مشروع فيلم”. هل علينا التوقف عن النظر إلى هذا النص على أنه مشروع رواية؟

لكن في الفصل العشرين، الفصل الختامي، اعتدلت في مجلسي وتغيرت نظرتي للرواية. نعم، صارت الآن رواية. إنه الحدس مرة أخرى، غير أنه جاء متأخرا هذه المرة، لاحقا للحظة التنوير وليس قبلها.

هذه الرواية بدأت في الأصل معرضا بنفس الاسم صاحب عرضا فنيا أدائيا حمل عنوان حكاية الرجل الذي سكن ظله، وعرض في بيروت سنة 2018. والعرض المتعدد الوسائط، كما الرواية، يدور حول فترة الحرب الأهلية في لبنان ومن بين ما تتعرض له الرواية، والعرض، حياة البداوة القسرية وحمى الترحال، ومصائر فنانين اضطروا للهجرة أو دفعتهم الحياة إلى أدوار أخرى غير التي أرادوها لأنفسهم.

الأعمال غير المكتملة لكيفورك كساريان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *